يوم سقط روبرت كيندي: ظلال الأمس في حاضر اليوم

وضاح الأبرش 21 حزيران 2008

" أشكركم جميعاً... اليوم وضعنا نهاية لجولة تاريخية أولى ببداية لجولة أخرى، جولة ستجلب يوماً أفضل جديد لأميركا...الجولة ستكون صعبة والطريق ستكون طويلة... لقد واجهت هذا التحدي بتواضع عميق، وبدراية بقدراتي المحدودة، لكن أيضاً بإيمان غير محدود بقدرة الشعب الأميركي".
السناتور باراك أوباما، خطاب النصر في سانت بول، مينيسوتا ليلة الثالث من هذا الشهر.

عشية نصر أوباما ذاك، كانت أميركا تحيي الذكرى الأربعين التي أرخت لنصر آخر وخطاب تاريخي آخر في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، ألقاه السناتور روبرت كيندي.

في الواقع، فإن صدى ضجيج منتصف ذلك الليل.. ليل الرابع من حزيران عام الف وتسعمئة وثمانية وستين لا زال يتردد بنفس الصخب حتى اليوم.

" أريد ان أشكر رفاقي في المجتمع الأسود.. النسبة العالية من التصويت شكلت فرقاً مهماً بالنسبة لي، لقد جعلتم كلكم هذا الأمر ممكناً... وهكذا .. أشكركم جميعاً وإلى شيكاغو لنفوز هناك..".

" لقد ترك السناتور كيندي المنصة للتو وهو يتحرك الآن خارجاً من القاعة مصحوباً بزوجته ايثيل.. الابتسامة تعلو وجهه .. محاطاً بالمئات من المناصرين المتجمعين هنا من ثلاث أو اربع ساعات. سيكون في طريقه إلى شيكاغو، لكن ستكون هناك قبل ذلك.. حملة أكبر في نيويورك. كان معكم تشارلز كوين في مقر حملة كيندي..".

(جلبة وصراخ)
مذيع استوديو: هل تعلم ماذا يحدث؟؟
مراسل: يبدو أن أحدهم تعرض للأذى.. أحد ما أصيب بالرصاص؟
مراسل: هناك إطلاق نار في مقر حملة كيندي، أحدهم أصيب بالرصاص.. من أصيب لا نعلم بعد..
مراسل: شيء رهيب يحدث هنا..
(صراخ) أمسكه.. أمسكه .. يده متجمدة..
مراسل: هناك.. هناك دماء على الأرض... دماء على الأرض.. السناتور كيندي أصيب بالرصاص
مراسل :السناتور كينيدي أصيب بالرصاص ؟؟ هل هذا ممكن؟ هل هذا معقول؟
مراسل: ممدداً هنا على الأرض... السناتور كيندي.. مصاباً.. بالرصاص!!
مذيع استوديو: أيها السيدات والسادة .. ما زلنا على الهواء من لوس أنجلوس.. لدينا تقارير مبهمة غير مؤكدة أن روبرت كيندي أطلقت عليه النار.. قرب قاعة الرقص تلك حيث ألقى خطابه في فندق أمباسادور في لوس أنجلوس.. سمع ضجيج عال جدا وكأنه قصف رعد .. انفجارات صغيرة..
مراسل: اعذرني.. إني بالكاد أستطيع أتمالك نفسي.. لقد تركت السناتور لتوي.. هو مصاب في الرأس
مذيع استوديو: في الرأس؟
مراسل: ما زال حياً .. نعم بالضبط ذلك صحيح.. أصيب بالرأس.. لكنه ما زال حياً..
(صراخ) افتحوا الأبواب!! الأبواب مغلقة.. افتحوا الأبواب!!
مراسل: إنه يحتضر الآن .. السناتور كيندي لديه حماية قليلة جداً.. الآن يطلبون طبيبا.. لا نعلم من أطلق النار، وكيف حدث ذلك..

في الواقع، بدا كل من المراسلين ممن قاموا بتغطية تلك الساعة الرهيبة وهو يتحدث بعصبية كأنه يحاول إيقاظ المستمعين من سباتهم، أو يتحدث ببطء ويلفظ كلمات جمله بتدرج.. ومن ثم يعيد الجملة مرة أخرى وكأنه يحدث نفسه في أسلوب هذياني، محاولاً الاستيعاب أن ما يراه يحدث بالفعل .. لأنه لم يكن أحد ليصدق في تلك اللحظات أنه من الممكن بعد اغتيال الرئيس جون كيندي أن يسقط كيندي ثان بعد أقل من خمس سنوات، في نهاية دموية أخرى مسكونة بالضجيج والصراخ الحاد المفعم برطوبة رائحة الدم.

الرجل قيد الاحتجاز رفض إعطاء الشرطة اسمه، وانما أجاب مستجوبيه ببرود: "أتمنى أن أبقى مجهول الهوية..".
على اي حال لم يبق الشاب صامتاً. ففي محطة الشرطة تحدث مع الضباط عن مواضيع ليست ذات صلة مباشرة بالسبب الذي وضع فيه قيد الاعتقال: رواية (قتل العصفور) التي كتبها هابر لي، وسوق البورصة.. حتى أنه سأل الشرطة عن مواضيع فلسفية تتعلق بطبيعة العدالة.

صباح اليوم التالي الخامس من حزيران قدم شابان نفسيهما إلى مركز الشرطة على أنهما عادل ومنير سرحان شقيقا الرجل المحتجز: سرحان بشارة سرحان اللاجيء الفلسطيني في الولايات المتحدة والذي قام بالجريمة فداء لبلاده، بعد أن أمعن كيندي في دعمه القوي لإمداد اسرائيل بالسلاح.. طائرات الفانتوم القاذفة للقنابل.

وقد وجد بحوزة سرحان قصاصة من صحيفة بتاريخ 26 أيار قبل الاغتيال بعشرة أيام، تحوي عمود بقلم ديفيد لورنس بعنوان "بوبي المتناقض" انتقد فيها روبرت كيندي (الشهير باسم بوبي) لمعارضة حرب فيتنام بنفس الوقت الذي يدافع فيه عن تسليح اسرائيل.

هل شكل إمداد أميركا لإسرائيل بالسلاح في تلك السنة أمراً جديداً؟ خصوصاً بعد أن احتلت في السنة السابقة ثلاثة أضعاف مساحتها من الأرض العربية؟

وقبل كل ذلك نسأل: هل كان روبرت كيندي متفرداً في دعمه لاسرائيل دون المرشحين الآخرين؟
حينما اغتيل كيندي فقد كان لا يزال يخوض الانتخابات في مرحلتها التمهيدية لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي. وكان ينافسه في ذلك كلاً من السناتور عن ولاية مينيسوتا يوجين ماكارثي ونائب الرئيس هيوبرت همفري (بعد إعلان الرئيس ليندون جونسون انسحابه من المنافسة قبل ذلك بحوالى شهرين).
السناتور ماكارثي دعم تزويد اسرائيل بطائرات الفانتوم تماماً مثل كيندي.
أما نائب الرئيس هيوبرت همفري، فقد أظهر استطلاع رأي غالوب تم بين الخامس والعشرين من أيار والثالث من حزيران 1968 حصول همفري على تسعة وسبعين بالمئة من أصوات الناخبين اليهود مقابل أربعة بالمئة فقط لريتشارد نيكسون المرشح الجمهوري نائب الرئيس السابق..
علما أن همفري عندما كان عضواً في الكونغرس سنة 1957 فقد قام بجولة في الشرق الأوسط زار خلالها عدداً من مخيمات اللاجئين، وضع في نهايتها دراسة توثيقية زعمت بأن عنصر الانتماء إلى فلسطين يضعف في النسبة الكبيرة من اللاجئين التي يشكلها الجيل الجديد. ومن هنا أوصت الدراسة بالمباشرة في مشاريع تسهل إعادة توطين اللاجئين في بعض الدول العربية المحيطة بإسرائيل وأن حق العودة يجب استبداله بحق التعويض.

وهل كان إمداد اسرائيل بالسلاح قضية انتخابات 1968؟
قبيل إعلان ترشحه للرئاسة كان روبرت كيندي ينتقد حرب الرئيس جونسون في فيتنام في الخفاء.. الرئيس جونسون اقتنع بأن كيندي كان يسرب معلومات للصحافة حول ما يشعر به إزاء فيتنام. خلال اجتماع جرى في السادس من فبراير عام 1967، قال جونسون لكنيدي: "سوف أدمرك.. أنت وكل أصدقائك الحمائم .. خلال ستة أشهر ستكون ميت.. سياسياً"

في التاسع من شهر شباط 1968 بدأ رئيس اتحاد عمال المزارع سيزر تشافيز إضراباً عن الطعام احتجاجاً على العنف الذي قامت به الشرطة ضد أعضاء الاتحاد في كاليفورنيا. ذهب روبرت كيندي إلى وادي سان خوانكين ليقدم لتشافيز دعمه وليقول للمناصرين الذين انتظروه أنه جاء ليقدم الدعم للبطل الذي يناضل لأجل تحقيق العدالة لعمال المزارع وللأميركيين الناطقين بالأسبانية. دعم روبرت لتشافيز مرده في الحقيقة كون الأخير من أشد المناوئين للحرب في فيتنام.

في السادس عشر من آذار 1968 قرر كيندي الترشح للرئاسة ومحاربة سياسات الرئيس علناً.
قرار روبرت بالتصدي لهزيمة جونسون أقلق جاكلين كيندي أرملة شقيقه الراحل. بعد أيام قليلة من إعلان ترشحه، قالت جاكلين للكاتب آرثر سيلنجر في حفل عشاء بنيويورك:"هل تعلم ما الذي أظنه سيحدث لروبرت؟ .. نفس الشيء الذي حدث لزوجي".

حرّض روبرت كيندي زعيم الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ على الانضمام إليه جنباً إلى جنب في معارضته للحرب. وسع كينغ حملته ضد الفقر والحقوق المدنية للأميركيين السود لتشمل معارضة الحرب في فيتنام، وهو ما أغضب بشدة وزير الدفاع الأميركي روبرت ماكنمارا.يقول ريشارد ماهوني في كتابه "الأبناء والأخوة" إذا كان هناك سبب واحد لكي يرشح روبرت نفسه للرئاسة فقد كان السبب إنهاء حرب فيتنام. سياسياً بدا ذلك بمثابة تدمير ذاتي، فقد دعمت أغلبية لا يستهان بها من الأميركيين سياسة الرئيس.

وعلى الرغم من أن الحركة المضادة للحرب شكلت عاملاً مهماً وجديداً في السياسات الأميركية، فإنها لم تكن بعد عامل محدد ومقرر. لكن حين يضم كل من مارتن لوثر كينغ وروبرت كيندي قواهم ضد الحرب في فيتنام فإن ذلك لا بد وأن يفرض مشاكل جدية للرئيس جونسون.

"ذهبنا إلى فيتنام لكي نقتل الفيتناميين الجنوبيين، وأيضاً نقتل الأطفال .. نقتل النساء .. نحن نقتل الأناس الأبرياء لأننا لا نريد حرباً على الأرض الأميركية، أو لأن قوات الفيت كونغ هي بعيدة لمسافة اثني عشر ألف ميل وأنها ربما (بقتالنا لها) ستبتعد أكثر لمسافة أحد عشر ألف ميل.. هل نملك الحق هنا في الولايات المتحدة لنقول أننا سنقتل عشرات الآلاف ... نقتل النساء والأطفال.. نتسبب بنزوح الملايين من اللاجئين؟".
روبرت كيندي في مقابلة تلفزيونية كرر فيها مواقفه من عدم أخلاقية الحرب في فيتنام.

استراتيجية زعيم الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ في ربط الفقر، الحقوق المدنية وحرب فيتنام بدت وكأنها تعكس كالمرآة حملة كيندي الانتخابية. بدا كلا الرجلين وكأنهما يهددان النظام القائم بشكل خطير وبهذا المعنى فهما يعملان بمثابة ثوار.

وخلال تلك الفترة كان جي إدغار هوفر مدير مكتب التحقيقات الفدرالي يغدق التقارير على الرئيس جونسون بأن كلا من كينغ وكيندي يسعيان لتقويض رئاسته.

الزمان: الرابع من نيسان 1968
المكان: مدينة ممفيس بولاية تينيسي.
الحدث: مارتن لوثر كينغ يترنح على شرفة في موتيل لورين مصاباً برصاص قناص..
بعد شهرين، ألقي القبض على جيمس إيرل راي في لندن بتهمة قتل كينغ وتم تسليمه إلى الولايات المتحدة. حكم على راي بالسجن لمدة 99 عاماً. عام 1988 وفي مقابلة تلفزيونية من السجن، قال راي بأن عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي هددوا بسجن والده وأحد أخوته إذا لم يعترف بقتل كينغ. أضاف راي أنه تم تجهيزه للتغطية على خطة مكتب التحقيقات الفدرالي لقتل كينغ.
على أي حال وبعد مقتل كينغ، بدأت الشائعات بالانتشار بأنه من الممكن لكيندي أن يموت خلال حملته الإنتخابية. مكتب التحقيقات الفدرالي التقط تقارير عن حديث جرى بين جيمي هوفا الرئيس السابق لاتحاد سائقي الشاحنات ورفاقه في السجن في إصلاحية لويزبيرغ بخصوص عقد لقتل كيندي. هوفا تعرض في السابق للمحاربة والضغط والاستجواب لمدة طويلة من قبل كيندي حين كان وزيراً للعدل بسبب نشاطاته المشبوهة واستيلائه على الأموال في الاتحاد المتنامي القوة والتأثير والذي كان يهيمن عليه.

جيمي بريسلين الروائي وكاتب الأعمدة الشهير سأل عدة مراسلين صحافيين فيما إذا كان لدى كيندي المقومات ليستمر على طول الطريق في حملته الانتخابية. أجابه أحد الذين اشتركوا بذلك اللقاء: " نعم لديه المقدرة ليستمر كل الطريق.. لكنه لن يمضي على طول الطريق.. السبب أن أحدهم سيقوم بإطلاق النار عليه.. أنا أعرف ذلك كما تعرفه أنت.. بالضبط كما نحن متأكدون من أننا نجلس هنا.. إن مثل ذلك الشخص ينتظره في مكان ما في الخارج..".

في الرابع من حزيران عام 1968 اليوم الذي سبق مقتل كيندي، ظهر هارولد ويزبرغ وهو محلل استخباراتي في وزارة الخارجية الأميركية على إحدى محطات التلفزة في واشنطن ليناقش احتمال اغتيال روبرت كيندي.استرجع ويزبرغ يومها لقاء له مع أحد مساعدي لكيندي. سأل ويبزبرغ خلاله عن سبب دعم روبرت للنتيجة التي توصل إليها تقرير لجنة وارين الذي تبنى فرضية القاتل الوحيد في مقتل الرئيس جون كيندي. نقل ويزبرغ عن مساعد كيندي قوله: "السبب بسيط.. روبرت أراد أن يعيش.." كما نقل ما ذكره له صديق لكيندي من أن بين الأخير والبيت الأبيض خطوط نار مفتوحة. وأنه حين سأله عمن يتحكم في هذه المشاحنات فقد أجاب ذلك الصديق بطريقة أعطت الانطباع لويزنبرغ أنها وكالة المخابرات المركزية.

الصحافي ويليام تيرنر الذي كان عميلا سابقا في مكتب التحقيقات الفدرالي قبل أن يتم طرده، كتب بأن روبرت كيندي اعتزم إعادة فتح التحقيق في مقتل أخيه فور توليه الرئاسة: "طوال فترة الانتخابات التمهيدية في كاليفورنيا، كان يسأل روبرت كيندي من قبل الجمهور فيما إذا كان سيعيد فتح التحقيق بمقتل أخيه فيما لو فاز بالرئاسة. كان يجيب بأنه لن يعيد مراجعة تقرير لجنة وارين. لكنه كان يبقى صامتاً ما خص احتمال أن يقوم بمبادرة من تلقاء نفسه. روبرت كان رجلاً عملياً.. وكان يدرك جيداً بأن عليه أن يضمن السيطرة التامة على وزارة العدل قبل أن يأمر بمباشرة تحقيق جديد ".

في الساعة التي سميت بمجرزة مطبخ فندق الامباسادور، كان كيندي قد فرغ لتوه من مصافحة اثنين من عمال المطبخ، حين برز من بين المصطفين لمصافحة كيندي رأس الشاب داكن البشرة أسود الشعر، والذي تقدم إلى الأمام وفتح النار باتجاه كيندي.
لقد بدت القضية بمنتهى الوضوح والبساطة ومن السذاجة بمكان أن يتم مناقشة أي من جزئياتها.
بدت بسيطة ومتوقعاً لها أن تغلق بالسرعة التي فتحت فيها:
رجل واحد: سرحان بشارة سرحان الفلسطيني الناقم، قام على مرأى عدد من الناس بالتصويب وإطلاق الرصاص باتجاه السناتور كيندي المؤيد لإسرائيل.

فيلم (بوبي) الذي عرض سنة 2006 والذي كتبه وأخرجه إيميليو إيستيفيز، صور اللحظات التي قتل فيها روبرت كيندي وقدّم سرحان وكأنه فتى صغير يعاني من العصبية والإحباط يتقدم باكياً نحو كيندي مطلقاً عليه النار، وهو ما يجانب الحقيقة تماماً..

الكاتب جون بليمبتون كان من بين من جاهدوا للسيطرة على سرحان، وصف عينيه بأنها بدت مسالمة بشكل عجيب وأن أي شخص ممكن أن يروا سكينة كتلك على وجه رجل لا بد وأن يتساءل إن كان منوماً مغناطيسياً أو تحت تأثير المخدرات.
الدكتور هيربرت سبيغل وهو مرجع دولي في التنويم المغناطيسي في جامعة كولومبيا، يؤمن بأن سرحان كان منوماً مغناطيسياً ومبرمجاً ليقوم مقام كبش فداء للقاتل الحقيقي.

الكاتب الصحفي البريطاني بيتر إيفانز نبش دليلاً يدعم زعم سرحان أنه كان منوماً مغناطيسياً ليصبح كبش فداء الجريمة. إيفانز قال أنه تعرف على الشخص الذي قاد عملية التنويم وهو الدكتور ويليام جوزيف بريان الابن والذي عمل في المخابرات الأميركية ضمن برنامج تحكم بالدماغ سمي مكولترا.

الدكتور بريان وجد فيما بعد ميتاً في ظروف غامضة في غرفة فندق في لاس فيغاس عام 1978، وكان إما أطلق النار على نفسه أو تم قتله.. القضية ما زالت بلا حل.

التنويم المغناطيسي كما يقول بيتر إيفانز تم عبر ثلاث شهور فترة تعرف بالضباب الأبيض. عندما قامت قوة مهمات شرطة لوس انجلوس بالتحقيق في الاغتيال فيما بعد وحاولت أن تبني أرضية وقتية دقيقة لنشاطات سرحان لغاية عملية الاغتيال فقد فقدت أثر فترة الضباب الأبيض.

السيرجنت بيل جوردان، المحقق الذي كان أول مستجوبي سرحان قال لإيفانز: "عدنا معه في ذاكرته إلى الوراء لأكثر من سنة: أين كان.. ماذا كان يفعل.. ومن رأى. لكن كانت هناك فجوة امتدت إلى اثني عشر اسبوعاً، مثل ملاءة من الضباب الأبيض لم نستطع اختراقها، والتي بدا أن سرحان نفسه لديه فقدان ذاكرة كامل بخصوصها.

المعالج النفسي برنارد دياموند نقل عن سرحان بأنه (ساعة الاغتيال) شعر بالوحدة وتذكر فتاة عرفها عندما كان في المرحلة الثانوية، والتي اعتقد أنه من الممكن أن تتواجد في فندق الامباسادور.. سرحان تسكع حول الفندق لبعض الساعات وهو يشعر أنه ثمل (لم يكن يتعاطى المسكرات على الاطلاق) حوالى الساعة الحادية عشرة قرر العودة للمنزل. اتجه نحو سيارته، لكنه شعر أنه مريض وثمل لدرجة تمنعه من القيادة. لاحظ المسدس في المقعد الخلفي.. فكر أنه يمكن أن يكون مسروقاً لكنه أخفاه في سرواله وعاد إلى الفندق. شرب القهوة مع امرأة ... وفي طريقه للبوفيه ليطلب قهوة أخرى وجد نفسه في غرفة صغيرة مع أضواء مبهرة ومرايا. شعر بأنه في حالة ذهول وحيرة. رأى أبواب بمرايا تقود إلى مطبخ الفندق، لكنه لم يذهب خلالهم. بدلاً من ذلك، ذهب إلى المطبخ من خلال ممر أطول. كان سرحان في حالة لا وعي من التنويم المغناطيسي.. حسبما قال الدكتور دياموند الذي روى كيف أخبره سرحان أنه بعد أن اتجه إلى المطبخ اتكأ على طاولة وهو يشعر بالنعاس وهو غير متيقن أين كان.. فجأة نظر إلى الأعلى ليرى مجموعة من الناس قادمين في اتجاهه. لاحظ أن أحدهم كان روبرت كيندي وفي عقله الواعي قرر أن يصافحه. بدلاً من ذلك أخرج المسدس.

كما يقول دياموند: " نفذ سرحان الجريمة وهو في حالة مبهمة دون أن يعلم ما الذي يحصل. القاتل الحقيقي كان يقف في مكان آخر.. سرحان فقط وضع في المكان الخطأ في الوقت الخطأ ".

وبالعودة إلى ما ذكره سرحان بخصوص لقائه بامرأة في بهو الفندق، فقد ذكرت ساندرا سيلانو العاملة في حملة كيندي أنها كانت خلال خطاب كيندي تجلس خارجاً على سلم النجاة بسبب الحر الشديد في الداخل، عندما لاحظت ثلاث أشخاص وقد قدموا للصعود إلى الدرج: فتاة تلبس فستان منقط معها شابان أحدهما أسمر في أوائل العشرينات. بعد ذلك بحوالى ثلاث دقائق نزلت تلك الفتاة على نفس الدرج مجدداً وتوقفت عند ساندرا قائلة: "أطلقنا عليه النار.. أطلقنا عليه النار.."سألت ساندرا: "على من أطلقتم..؟" أجابت الفتاة:" أطلقنا النار على السناتور كيندي!!" لم تكن ساندرا ثملة أو مدمنة مخدرات ولنفرض أنها كانت كذلك فما الذي يفسر مطابقة ذلك مع ما ذكره فينسنت دي بييرو العامل في الفندق والذي أخبر الشرطة أنه قبل إطلاق النار رأى سرحان مصحوباً بفتاة جذابة ترتدي فستاناً أبيض منقطاً. لا بييرو ذكر أن كلاً منهما كان ينظر للآخر مبتسماً بطريقة تظهر أنه تربط بينهما علاقة وثيقة. وهنا لنفرض أيضاً أن دي بييرو كان ثمل أو متعاطي للمخدرات، فهل من الممكن أن يتهيأ نفس ما تهيأ لشخص آخر في نفس الفترة الزمنية وفي مكان آخر؟

في السابع عشر من الشهر الماضي، كشف ويليام بيبر محامي سرحان بأنه يسعى إلى الحصول على محاكمة جديدة من أجل إطلاق سراحه، موضحاً أن موكله لا يذكر أنه أطلق النار على السيناتور. وقال المحامي، في مقابلة مع شبكة (سي إن إن) بأن سرحان لا يذكر على الإطلاق أنه أطلق النار على روبرت كيندي، مشيراً إلى أنه قيل للمتهم أنه قتل كيندي وأنه كان منوماً مغناطيسياً وفاقداً للذاكرة، وأنهم سوف يحاولون استخدام التنويم المغناطيسي مرة أخرى لاستعادة ذاكرته.
"كيندي.. أنت يا ابن الساقطة!"
هكذا صرخ سرحان قبل أن يطلق النار بشكل مستمر من حجرات مسدسه الذي احتوى ثماني طلقات فتحها المسلح الفلسطيني في أرجاء ذلك المكان.. والنتيجة إصابة كيندي بأربع رصاصات وسقوط خمسة جرحى كل منهم أصيب بطلقة واحدة بينهم كاتب خطاباته بول شريد الذي ضربته رصاصة في جبهته.
مهلاً.. ألم يصبح المجموع بذلك تسع طلقات؟ وماذا عن الثلاث رصاصات الأخرى التي اخترقت الحائط خلف السناتور والطلقتين اللتين استقرتا في الارضية؟

لقد أفرغ سرحان ثماني طلقات بالمجموع، لكن ما الذي يفسر أن أربعة عشر رصاصة انتشرت في أرجاء المكان وأجساد الضحايا؟

خبير الأدلة الجنائية فان براغ أعاد تحليل التسجيل الصوتي الوحيد لإطلاق النار والذي التقطه ستانيسلاو بروزينسكي وهو صحافي مستقل. وخلص إلى أنه تم إطلاق ثلاثة عشرة طلقة على الأقل تضمنت أربع طلقات متقاربة بشكل يستحيل معه أن تكون أطلقت من مسدس واحد.. وقد تبين أن الرصاصات الأخرى أطلقت من مسدس نوع هارينغتون وريشاردسون 922 في الوقت الذي كان مسدس سرحان من نوع إيفر جونسون 55. علماً أن جميع الرصاصات من عيار 22 مم وكانت الطلقة القاتلة التي أصابت كيندي مشوهة لدرجة يستحيل معها الجزم أنها من مسدس سرحان.

وقد عرض براغ نتائجه في الاجتماع السنوي للأكاديمية الأميركية لعلوم الأدلة الجنائية في الحادي والعشرين من فبراير الماضي في واشنطن.

صحيفة الغارديان نشرت تقريرا من واشنطن في أواخر فبراير الماضي أيضاً، ذكرت فيه بأن تشريح جثة كيندي ذكر بأن جميع الطلقات الأربعة التي أصابت كيندي لم تأت من الجهة الأمامية.

طبقاً للطبيب الشرعي لمقاطعة لوس انجلوس توماس نوغوشي والذي قام بتشريح الجثة فإن الرصاصات التي ضربت كيندي أتت من الخلف في مسار متجه من الأسفل نحو الأعلى، من اليمين نحو اليسار: واحدة في الرأس من خلف الصدغ الأيمن والباقية في الظهر وتحت الابط الأيمن.

وأكثر من ذلك فإن غبار البارود المحترق على مدخل الجروح يؤشر أن الطلقات القاتلة أطلقت من فوهة مسدس على بعد لم يتجاوز ثلاث إنشات( 7،65 سم) بينما فصلت مسافة (213سم تقريبا) بين سرحان وكيندي، إذ أن علامات غبار البارود لكانت لتتلاشى في طريقها للوصول إلى الهدف، لو كانت أطلقت النار من مسافة أبعد.

في الواقع، فإنه ليس من الضروري من الناحية النظرية فحص ومراجعة كل هذه الأدلة حول الجهة التي أطلقت منها النار وأصابت كيندي في مقتل، انظروا إلى كل صور كيندي وهو ممدد على الأرض محتضراً: لا جروح ولا دماء من جهة الأمام حيث أتى سرحان، فيما تبدو بوضوح خلف رأسه بركة من الدم.
ففي الحقيقة، كان القاتل الفعلي يقف خلف روبرت كيندي مباشرة. وكما زعم خبراء الأدلة الجنائية فإن الرصاصات الأخرى أطلقت من مسدس نوع هارينغتون وريشاردسون 922 عيار 22.. حسناً كان حارس كيندي يملك هذا المسدس.

ثان يوجين سيزر أنكر أنه كان بحوزته ذلك المسدس لدى وقوع الاغتيال، إلا أنه لم ينكر امتلاكه في يوم ما لمثل مثل ذلك المسدس لكنه زعم أنه باعه قبل الحادث بشهور.فيما بعد تبين أنه باعه بالفعل .. لكن بعد الحادث بعدة أشهر.

شاهد عيان دونالد شولمان ظهر على محطة (سي بي إس نيوز) ليقول أن سرحان أطلق ثلاث رصاصات باتجاه كيندي.. الذي أصيب برصاصات حارسه الشخصي.

ثان يوجين سيزر مرافق كيندي تم توظيفه قبل ذلك بوقت قليل.. وهو أميركي من أصل كوبي، لم يوظف لدوام كامل ولم يقتصر عمله على حماية كيندي حيث كان يعمل في نصف الوقت الآخر في مصنع طائرات لوكهيد وسابقا في شركة هيوجز للطائرات، وكلاً منهما جزء أساسي مما يسمى المركب الصناعي العسكري الأميركي. على أي حال فإن عمل سيزر في لوكهيد كان في مناطق خاضعة بشكل مباشر لإشراف وكالة المخابرات المركزية.

على أي حال، فقد قلق سيزر من أن يتم تصوير عملية الاغتيال وهكذا فقد تم انتزاع الفيلم الذي صوره طالب الثانوية آنذاك سكوت اينيارد من قبل إدارة شرطة لوس أنجلوس بحجة الحاجة للفيلم في عملية التحقيق.

"السناتور روبرت فرانسيس كيندي.. توفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل يوم السادس من حزيران عام ألف وتسعمئة وثمانية وستين.. كان في الثانية والأربعين من العمر".
فرانك مانكيي ويكز، الناطق الصحفي بإسم روبرت كيندي

هذه الكلمات التي تلاها مانكيي ويكز بصوت متهدج وعيناه مغرورقة بالدموع لا تزال تتكرر في الأذهان كلما حلت ذكرى كيندي.. حسناً، لنعود قليلاً إلى الخلف.. لدى انتهاء كيندي خطاب نصره في كاليفورنيا، لنكتشف بأنه لم يكن مقرراً بأن يمر كيندي أصلاً في مطبخ الفندق حيث تواجد سرحان في حالة التسيير الذهني التي كان واقعاً تحت سيطرتها. فقد أراد كيندي أن يمشي خلال الحشد بعد إلقائه خطابه وصولاً إلى غرفة يقوم فيها بعقد مؤتمر صحافي وهو بالضبط ما تم التخطيط له مسبقاً، لكن هناك من شدد عليه بتجنب ذلك تفادياً لخطر محتمل.. وكان ذلك الشخص ببساطة فرانك مانكيي ويكز نفسه الناطق الصحافي بإسم كيندي! فرانك كان مسؤول علاقات عامة سابق في العصبة المناهضة لتشويه السمعة.. وهي مجموعة مصالح تأسست في الولايات المتحدة عام 1913 مهمتها إيقاف تشويه سمعة الشعب اليهودي وتأمين العدالة والمساواة لهم أمام القانون..

كم هو مثير للقشعريرة استحضار كيف أنهم ساقوه من حيث لا يدري كالطريدة إلى ذلك الممر الضيق المزدحم ذو الأضواء الخافتة الباهتة ليلقى حتفه ويسقط كالذبيحة في الشرك في الوقت الذي كان يعلو فيه الصراخ متخالطاً بأصوات القرع على الأبواب الموصدة بنهاية الممر. لا بد وأن كيندي تساءل في قرارة نفسه: "ما الذي أتى بي إلى هنا؟".

رب سائل يتساءل بكل بساطة: أين رجال الأمن في حالة كتلك؟ أليس من المفروض أن تكون حركة سياسي بمستوى روبرت كيندي موضع متابعة مستمرة؟ ألم يوجد حول كيندي إلا حارسه المأجور؟


كم شعرت بالحيرة لدى مراجعتي تسجيل المكالمة المطولة التي قامت بها موظفة الاستقبال في فندق الأمباسادور مع إدارة الشرطة والتي طلبت فيها حضورهم لدى وقوع الحادث.إدارة الشرطة؟
نعم
هنا فندق الامباسادور.. هل تسمعني؟
نعم أسمعك
لديهم حالة طارئة وهم في المطبخ يريدون الشرطة
ما نوع الحالة الطارئة؟
لا أعرف عزيزي.. إنهم محتجزون، لا أدري ما الذي حصل
إذن اعرفي ما حصل.. نحن لا نرسل أحد بدون أن..
أستميحك عذراً؟
يجب أن نعلم لأجل ماذا ..
حسناً عزيزي هم يريدون إسعاف أيضاً وأنا لا أعلم لماذا، سوف اتصل بهم مجدداً.. ابقى على الخط
حسناً
هذا كل ما قالوه لي.. إنها حالة طارئة لا أعلم ما الذي حصل.. أنت تعلم لدينا كيندي هنا الليلة
لديكم ماذا؟
السيد كيندي هنا
يا لها من حالة
لا أدري ماذا حصل لكنه شيء ما..حسناً هل تريدني أن أعرف ما الذي حصل؟
نعم أرجوك
هنا فندق الأمباسادور.. معك المسؤولة عن الفترة الليلية هنا.. أفادوني بأن السناتور كيندي أصيب بالرصاص
أصيب بالرصاص؟
هذا صحيح.. وأعتقد أنه يجدر بكم إرسال أحد ما إلى هنا
نعم أعتقد أننا سنفعل.. ما هو العنوان من فضلك؟

في العشرين من نوفمبر 2006 وفي تقرير مطول بثته البي بي سي بعد تحقيق استغرق ثلاث سنوات قام به منتج الأفلام شين أوسوليفان، تم الكشف عن فيديو جديد وصور تظهر ثلاثة من مسؤولي العمليات في وكالة المخابرات المركزية في الفندق لدى خطاب كيندي وأثناء وبعد اغتياله. وقد تم تمييز هوياتهم كضباط مسؤولين عملوا معاً سنة 1963 في قاعدة المخابرات الأميركية في ميامي أثناء حربها السرية ضد حاكم كوبا فيدل كاسترو.الأول كان ديفيد موراليس .. مسؤول عمليات، وقد أخبر صديقاً ذات مرة: " كنت في دالاس حين أصبنا ابن الساقطة، وكنت في لوس انجلوس حين أصبنا الوغد الصغير" في إشارة إلى تورطه في اغتيال الرئيس كيندي في دالاس ومن ثم روبرت كيندي في لوس انجلوس. وقد توفي في أزمة قلبية عام 1978 قبل أسابيع من مثوله أمام لجنة الاغتيالات المنبثقة عن مجلس النواب. الثاني كان جوردون كامبل.. مسؤول العمليات البحرية في المخابرات، توفي سنه 1990.أما الثالث فكان جورج جوانيدز.. مسؤول عمليات الحرب النفسية.. لا زال في الغالب على قيد الحياة، ربما يكون في مكان ما وقد تجاوز الثمانينات من عمره.

لقد شكل روبرت كيندي بحربه على النظام القائم..المؤسسة القائمة برموزها الفاسدة خطراً داهماً..تماماً كما كان شقيقه الراحل الرئيس جون كيندي، ولذلك كان مثله محاطاً بالأعداء والمتآمرين. ولم يكن أبرع من حجة للخلاص منه سوى الجريمة الكاملة التي ترنح تحت وطأة مطرقتها غيلة.. طعناً من الخلف. جريمة استندت في حجتها على كبش فداء عارض ظاهرياً سياسات انتخابية تمثلت في الرغبة بدعم اسرائيل.. ويا لها من رغبة فريدة وغريبة على السياسات الأميركية خصوصاً الانتخابية منها.

كان روبرت كيندي يخوض حملته في بدايتها حين هوى صريعاً.. لكن حملته في الواقع كانت أطول حملة انتخابية في التاريخ الأميركي، فقد بدأت حين رشح شقيقه جون نفسه للرئاسة وفاز عام 1960. حينها كان قلة من الناس يعرفون جون كيندي أما روبرت فحين رشح نفسه كان الجميع يعرفونه.. بل وينتظرونه، لم تكن صور روبرت في جنازة أخيه قبل ذلك بحوالى خمس سنوات قد طواها النسيان بعد، أخيه الذي وضع مشروع قانون الحقوق المدنية وإنهاء التمييز العنصري والذي اغتيل في اليوم الأكثر سواداً في التاريخ الأميركي. وهكذا لم تكن حملة روبرت الذي حمل الشعلة من أخيه، سوى احتفال كبير تراكض على الأخص فيه الفقراء والملونين حول أميرهم الذي طالما حلموا به بمظهره الفتي وسنه الذي كان دون جون كيندي نفسه حين فاز بالرئاسة. ولو أكمل روبرت حملته نحو نهايتها المفترضة، لأصبح أصغر رئيس أميركي منتخب.

"لأجل الكثيرين منا، لم يكن هناك أي مرشح أحببناه وأعجبنا به بقدر روبرت كيندي. هذه المجموعة لأجلك إذا كنت تنتظر لأجل روبرت كيندي آخر بعد أربعين سنة، أو إذا كنت تعيش ذكراه وتدرك بأن أوباما هو روبرت كيندي آخر.. مناصري روبرت كيندي الآن مع أوباما".
تعريف بإحدى المجموعات التي يضمها موقع فيس بوك الشهير للتعارف والتواصل بين الأصدقاء والذي يضم الملايين حول العالم.

منذ بداية حملته الانتخابية، اقترن اسم أوباما دون إرادة مباشرة منه بروبرت كيندي.. هل استمع أحدكم إلى أغنية (هوب - الأمل) والتي صورت كل من روبرت كيندي وباراك أوباما في مشاهد متعاقبة أثناء حملة كل منهما الانتخابية بداية بإعلان الترشح للرئاسة؟ وكيف تضمنت المشاهد مقاطع لروبرت كيندي يعلن فيها معارضته الحرب في فيتنام لتعقبها على الفور مقطع كلمة للسناتور أوباما يعلن فيها معارضته الحرب في العراق واعتزامه إخراج القوات الأميركية من هناك: "ليس بعد سنة.. ليس بعد ستة أشهر.. ليس غداً.. إنما الآن!".

في نفس اليوم الذي كان أوباما فيه يعلن فوزه بالترشيح عن الحزب الديمقراطي، بث برنامج على شبكة (ام سي ان بي سي نيوز) بمناسبة الذكرى الأربعين لاغتيال روبرت كيندي. لكن في أول ذلك البرنامج تم التطرق إلى اللحظات التي أعقبت خطاب أوباما ذاك وكيف أنه حين كان يصافح الجمهور الذي احتشد لتحيته فإنما كان يذكر في تلك المناسبة بروبرت كيندي!

حين تابعت ذلك البرنامج التذكاري توقعت أن أشاهد صوراً لروبرت كيندي في حملته سنة 1968 ولم أتصور بأن أرى أوباما يصافح جمهوره في حملته اليوم عام 2008، وكأنه يحلو للأميركيين (على طريقة أهل الجاهلية) أن يصنعوا ألهتهم (من التمر) ومن ثم يأكلوها!

"باراك أوباما: مسلم مرتد؟ " هذا كان عنوان مقال كتبته شرين بوركي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة ماري واشنطن ونشرته صحيفة كريستيان ساينس مونتور. تحدثت بوركي فيه عن كون السناتور باراك أوباما مسلماً مرتداً في نظر تنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن، الذي يعتبره مرتد فطري أي أنه ولد لأب مسلم ثم تنصل من دينه، هو أسوأ أنواع الردة كما أوضحت بوركي. لم تكن تلك المرة الأولى التي يتم نعت أوباما فيها بالمرتد.. فهذا النعت ببساطة هو رسمياً.. اسمه الحركي!

في السابع عشر من حزيران من العام الماضي 2007، تناقلت الصحف ومواقع الانترنت نقلاً عن وكالة الصحافة الدولية المتحدة خبراً عنوانه: "الخدمة السرية تخصص أوباما بإسم: المرتد".

إنه لأمر غريب ومتناقض فعلاُ أن يخصص اسم شفرة سرية لشخصية في دائرة الخطر، ومن ثم يتم نشر هذا الاسم بحيث تزول كل مبررات وجوده (السرية).

وبالتأكيد في هذه الحالة، لن يبق لاسم مثل المرتد صفة الشفرة السرية وإنما سيتحول بهذه إلى لقب.. للتداول والدعاية! مما يطرح التساؤل حول الهدف الحقيقي من النشر.. على أي حال فقد عنونت صحيفة الواشنطن بوست في ذلك اليوم: "المرتد ينضم إلى السباق لأجل البيت الأبيض" ...

"القدس ستبقى عاصمة لإسرائيل.. ولا مساومة على أمنها... أي اتفاق مع الشعب الفلسطيني يجب أن يحافظ على هوية إسرائيل كدولة يهودية لها حدودها الآمنة والمعترف بها...الذين يهددون أمن إسرائيل يهددون أمن الولايات المتحدة... سأبقي خيار اللجوء للقوة العسكرية مطروحاً للدفاع عن أمننا وعن أمن إسرائيل...".
باراك أوباما في كلمته التي ذاع صيتها أمام لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) يوم إعلان فوزه بالترشيح وعشية الذكرى الأربعين لاغتيال روبرت كيندي.

بدوره، يشكل أوباما بشعاراته تحدياً للمؤسسة التقليدية المحافظة الحاكمة في أميركا.. الحكم في أميركا ليس فقط رئاسة، الرئيس الأميركي غالباً ما يكون ناطق باسم بالسياسات محاطاً بالمستشارين، جماعات المصالح .. أجهزة المخابرات و.. الجيش.. الذي قام بانقلابين عسكريين دمويين لتغيير أو تصويب سياسة رئيس البلاد.تمثل الانقلاب الأول في اغتيال الرئيس جون كيندي في دالاس عام 1963 واستبداله بنائبه ليندون جونسون. والانقلاب الثاني الذي تمثل في أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 والذي وضع بوش الأخرق في بداية المهمة المطلوبة منه تحت عنوان الحرب على الارهاب.
ثم أن أوباما يشكل تحدياً بلونه.. بعرقه وحتى في الإشارة إليه على أنه مسلم متخفي، بالنسبة للجماعات المتطرفة التي غالباً ما يتم التعتيم عليها ويغض الطرف في الحديث عنها، هل نسيتم تفجيرات أوكلاهوما سنة 1995؟ حصار طائفة ديفيد كوريش في ويكو بتكساس عام 1993؟

وكل هذه الجهات قد تتقاطع مع بعضها البعض، قد تتقاسم التخطيط، التنفيذ.. أو تسهيل وضع الهدف في المرمى.. وفي عصر الحرب على الارهاب تبدو فكرة تحميل المسلمين المسؤولية عن تحطيم الأمل بالنسبة لملايين الأميركيين وغير الأميركيين.. فكرة أكثر من جذابة.

وهكذا.. تبدو التحديات التي تواجه "وجود" أوباما سواء كمرشح أو رئيس للولايات المتحدة، ماثلة منذ الآن.. أما الحجج وأكباش الفداء فقد تم تحضير الرأي العام بعناية لتقبلها: أوباما يدعم اسرائيل، أوباما مرتد عن الاسلام.. أوباما .. روبرت كيندي آخر.


http://souriaalghad.net/index.php?inc=show_menu&id=6221&dir_id=41

ليست هناك تعليقات: