وضاح الأبرش 3 تشرين الثاني 2008
" انظروا الى ثلاثتنا.. قرروا من تعتقدون انه سيقوم بالعمل، اختاروا ذلك الشخص في نوفمبر لانه..صدقوني، كما قلت سابقا.. لقد انتهت الحفلة وأتى دور طاقم التنظيف... يا قوم.. نحن نجلس على قنبلة موقوته، لاننا أسئنا ادارة بلدنا بصورة كاملة، ويجب علينا ان نعيدها تحت السيطرة "
المرشح المستقل روس بيرو في المناظرة الاولى مع كلينتون وبوش، 11 اكتوبر 1992.
شهدت مناظرات الرئاسة سنة 1992 اضافة لمرشح الحزب الديمقراطي حاكم اركنسو بيل كلينتون والرئيس الجمهوري جورج هربرت بوش وللمرة الأولى وربما الأخيرة، اشتراك مرشح عن حزب ثالث كان حزب الاصلاح الذي مثله البليونير التكساسي روس بيرو، مع الاشارة الى ان ان قبول اشتراكه في تلك المناظرات تم باعتباره مرشحا مستقلا وليس نيابة عن حزب ثالث. وقد انتقد الرئيس بوش حينها بسبب تردده باديء الامر في القبول بمناظرة بيرو مشبها اياه بالدجاجة. في الحقيقة الامر، جلب بيرو عنصرا مهما الى انتخابات 1992 وهو ان ايا من الحزبين لا يمثل بصورة كاملة الشعب الاميركي وحصل على تأييد 15% في استطلاعات الراي.
شكل عامل تفضيل التغيير على الخبرة سؤالا محوريا في المناظرة الاولى بين المرشحين الثلاثة.
كلينتون: " اهم ما يميز هذه الحملة اني امثل الامل الحقيقي للتغيير...الليلة علي ان اقول للرئيس: سيد بوش، لاثنتي عشر سنة كان لك طريقك وكانت لك فرصتك ولم ينجح الامر. انه وقت التغيير. اريد ان اجلب ذلك التغيير للشعب الاميركي. لكن علينا جميعا ان نقرر اولا اننا نملك الشجاعة للتغيير للأمل ولاجل غد افضل"
بوش: " اعتقد ان شيء واحد هو الذي يميز بيننا وهو الخبرة...التغيير فقط لاجل التغيير ليس امرا كافيا...راينا هذه الرسالة في اواخر السبعينات حين سمعنا الكثير عن التغيير، وما الذي حدث؟ لقد تم وضع تلك البرامج البائسة على الرف.لكن برنامجي الاقتصادي يمثل التغيير الذي نريده والطريقة لنجعله قابلا للتنفيذ هو ان نستبدل كثير من اعضاء الكونغرس الذين تم ابعادهم بسبب الفضائح بمجلس كونغرس جديد،... ساجلس مع اعضائه من الحزبين واعمل لاجل برنامجي للتحديث الذي يمثل التغيير الحقيقي. لكن
علي ان اقول، اذا كان من امر يجب التركيز عليه في هذه المرحلة ، فانا اعتقد انه الخبرة."
كلينتون: " انا اؤمن بان الخبرة عامل ياخذ بالحسبان، لكنها ليست كل شيء. القيم، الحكم على الامور، والسجل الذي راكمته في ولايتي يجب اخذه ايضا في الحسبان..."
أما روس بيرو فقد نجح في سخريته من خبرة الرئيس بوش في المناظرة الاولى.
بيرو: " ليس لدي خبرة في التسبب بعجز يفوق اربع تريليونات دولار، ليس لدي خبرة
في تكوين حكومة عاجزة حيث لا يوجد من يتحمل المسؤولية وكل يلوم الآخر. ليس لدي خبرة في خلق اسوء نظام تعليم عام في العالم الصناعي.."
بينما لم يفلح في تماما في النيل من سجل خبرة كلينتون في المناظرة الثالثة التي جذبت 91 مليون مشاهد، حين سخر بيرو من ادعاء كلينتون ان خبرته كحاكم ولاية تجعل منه مؤهلا لقيادة البلاد.
بيرو: " خمس مباني فصلت المكان الذي ترعرت فيه عن اركنساس، انها ولاية جميلة وصغيرة. تعدادها السكاني اقل من شيكاغو او لوس انجلوس..بحجم دلاس وفورث وورث لو جمعناهما. لذلك فمن الخطأ قياس مستقبل الأمة بوحدة صغيرة كتلك. "
وسيط المناظرة جيم ليهرر: " لماذا تعتبر ذلك خطأ؟ "
بيرو: " لان ليس له أي علاقة بالموضوع الذي نتناوله."
(ضحك الجمهور)
لهرر: " الذي فعله كحاكم لولاية اركنسو لا يتصل بموضوعنا؟ "
بيرو: " لا لا .. لا.. لكن هل بالامكان القول انه حين استطيع ادارة بقالية صغيرة في زاوية شارع، استنتج حقيقة مفادها انه بامكاني ادارة سلسلة متاجر؟ "
الا ان رد كلينتون جاء قاسيا، حادا ومفحما.
كلينتون: " السيد بيرو.. مع كل الاحترام، اعتقد ان ذلك على درجة عالية متصل بموضوعنا واعتقد ان ميزانية تتكون من اربع بلايين ااضافة للاحتياطات الفدرالية ليست صغيره واعتقد ان حقيقة اني استلمت ولاية كانت من افقر الولايات طيلة 153 سنة وبذلت اقصى ما بوسعي لتحديث اقتصادها واحدث نوع التغيير الذي جلب الدعم من الشركات الكبرى في البلد و24 من الادميرالات والجنرالات المتقاعدين ومئات رجال الاعمال وكل هؤلاء متصلون بموضوعنا.. تعرف؟ انا بصراحة اشعر بالذهول من انك ترعرعت على بعد خمس احياء من اركنسو ومع ذلك تفكر بان ما حصل فيها ليس له صلة بالموضوع.. ان ذلك فعلا لامر مؤثر.. (تصفيق)
والناس الذين حصلوا على وظائف وتعليم وفرص لم يكن بمقدورهم الحصول عليها لعشر سنوات خلت لا تفكر ان لهم علاقة بالموضوع على الاطلاق؟ هم يعتقدون ان لهم بصورة كبيرة علاقة بالموضوع ويتمنون لو ان بقية البلاد تصبح مثلهم. "
ردود كلينتون الحاسمة لم تقتصر على بيرو بل وعلى الرئيس بوش، خصوصا حين حاول الاخير التشكيك بوطنيته في المناظرة الاولى.
بوش:" اعتقد انه انه من الخطا التظاهر ضد بلدك او تنظيم التظاهرات ضد بلدك على تراب اجنبي... التظاهر ليس مسالة وطنية انها مسالة تكوين الشخصية والقدرة في الحكم على الامور، هل هو تهور شباب؟ انا حين كنت اقوم باداء واجب الخدمة في القوات المسلحة في التاسعة عشر من عمري واقود طائرة نفائة"
كلينتون: " ... احترم خدمتك في الحرب العالمية الثانية... لكن حين كان السناتور جوزف مكارثي يجوب البلاد في الخمسينيات مشككا في وطنية الناس فقد كان على خطأ.. كان على خطأ. وقام سناتور من كونيتيكيت بالتصدي له وكان اسمه بريسكوت بوش. ابوك كان على حق في التصدي له وانت كنت على خطأ في التشكيك بوطنيتي، كنت معارضا للحرب (في فيتنام) لكني احببت وطني (تصفيق حاد) ونحن بحاجة لرئيس يستطيع توحيد هذه البلاد معا لا ان يقوم بتقسيمها. لقد عانينا من يكفي من الانقسام وانا اريد ان اقود بلدا موحدا"
حاول بوش ايضا اتهام كلينتون في المناظرة الثالثة بالسعي لزيادة الضرائب بوش: " سيد وسيدة امريكا، حين تسمعونه يقول انه لن يفرض الضرائب الا على الاغنياء، تفقدوا محفظتكم لان مقادير ما سيحصل عليه لن تشكل شيئا وسيوجه ضربته باتجاه دافعي الضرائب من الطبقة الوسطى والادنى، في حال توجب عليه تمويل جميع برامج الانفاق التي يقترحها..."
وقد رد عليه كلينتون بانه هو من زاد الضرائب على الطبقة الوسطى بعد ان قال انه لن يفعل، وانه فقط تلك السنة نقض بوش زيادة ضريبية على الاغنياء كانت ستوفر متنفسا للطبقة الوسطى مذكرا بان الانفاق ازداد في ادارة بوش بدرجة لم تحصل منذ عشرين عاما سبقت.
" من انا؟ ولم انا هنا؟ انا لست سياسيا.. الكل يعلم ذلك، لذلك لا تتوقعوا مني ان اتكلم بلغة العارفين ببواطن الامور في واشنطن... "
جيمس ستوكديل المرشح المستقل لمنصب نائب الرئيس، في المناظرة مع المرشح الجمهوري نائب الرئيس دان كويل والمرشح الديمقراطي السناتور ألبرت غور.
في مناظرة المرشحين لمنصب نائب الرئيس، كان هذه المرة مرشح ثالث لم يعرفه لا كويل ولا غور ولا حتى أي من جمهور الحاضرين. وهو الادميرال جيمس ستوكديل رفيق بطاقة روس بيرو المرشح عن حزب الاصلاح. عدا تمتع ستوكديل بسيرة حافلة في قوات البحرية، فقد كان طيارا سابقا القى القنبلة الاولى في بداية الغارات الاميركية على شمال فييتنام، ليتم فيما بعد اسقاط طائرته في 1965 ويسجن لمدة سبع سنوات ونصف عانى خلالها الجوع والتعذيب. وفي وقت المناظرة كان ستوكديل رئيسا لكلية الحرب البحرية الاميركية ولم يكن بحاجة لاي منصب سياسي. وهكذا فقد كان خبيرا في البدء بهجوم وبالقنابل ومن الاعلى: وضع يمنح المرء شعورا غاية في السيطرة والتحكم، لكن ايضا يتطلب مميزات شخصية لا تأبه بالمجازفات، سواء كان ذلك عن دراية او قلة ادراك.
مهما كان الامر، فقد تعين عليه نتيجة ذلك ان يتحمل حصيلة المجازفة: ولا بد وانه تساءل قبل اشتراكه في تلك المناظرة عن مدى صعوبة الحدث الذي قبل التورط فيه، هل يكون بصعوبة الحرب والقنابل والسجن.. و هل هكذا تقاس الامور؟ حسنا لربما كان الوضع اكثر مشقة، فهو يزج بنفسه هذه المرة في ميدان لم يتواصل معه من قبل ولا يعرف عنه أي شيء، ومن هنا فلن تكون تلك المواجهة سهلة مهما كان مجازفا ومهما كان محاربا. في الواقع، فإن انطباعه عن نفسه كمحارب ربما لن ينفع مساء ذلك اليوم، فسيتوجب عليه بهذا المعنى خلع البزة العسكرية وارتداء ربطة عنق ربما تكون بلون احمر.. موحد او مخططة، ليس ذلك المهم.. فالمهم انها لن تحتوي نجمة واحدة.
في 13 اكتوبر 1992 وفي حدث سيتم وصفه من قبل محطات الاخبار بالشجار الصاخب، اعتلى ستوكديل منصة المناظرة في جامعة جورجيا للتكنولوجيا مع كل من السناتور البرت غور ونائب الرئيس كويل.
في بداية المناظرة قام البرت غور بالثناء على البرت ستوكديل بطريقة تم من خلالها نبذ دان
كويل بأسلوب فائق الذكاء. نعم، لقد انتخب كل من غور وكويل بذات السنة اعضاء في الكونغرس وخدما بذات اللجنة بمجلس الشيوخ،
لكن لا تنسوا ان الاول خدم في حرب فييتنام بينما انزوى الاخر للخدمة في الحرس الوطني.
غور: " ادميرال ستوكديل، هل تسمح لي بان اقول كم هو شرف خاص لي بأن أتشارك هذه المنصة معك. اناس مثلنا ممن خدموا في حرب فييتنام ينظرون اليك كبطل وطني حتى قبل ان يمنحك الكونغرس وسام الشرف "
وكأنه كان يقول لكويل ان عضويته في الكونغرس لن توفر له الغلبة بالضرورة، وان تخلفه عن الخدمة العسكرية في ميدان الحرب سيكون بالنسبة له بمثابة القدم المكسورة في المناظرة تلك الليلة.
اما بالنسبة لكويل ، فقد حضر له غور تحية خاصة تليق به. فقد استغل سناتور تينيسي الديمقراطي ألبرت غور ما واجهه خصمه كويل مع لويد بنتسن في مناظرة 1988 ليعيد التذكير بالاجواء المربكة التي سكنت روح تلك المناظرة.
غور : " السيد نائب الرئيس دان، دعنا نقوم بعقد صفقة.. إذا لم تقارن جورج بوش بالرئيس هاري ترومان، فلن أقارنك بجاك كينيدي"
لتغرق القاعة بالتصفيق مجددا وليبدو الأمر وكأن البرت غور قام بتشغيل فيلم فيديو يستحضر عبره الى الذاكرة العامة لحظات ارتباك خصمه، الذي حاول عبثا هذه المرة التغلب على ضعفه وزاد الطين بلة حين انتهج اسلوب الهجوم والسجال العاصف، الامر الذي زاد من حدة انكسار صورته.
اخذ كويل الملاحظة بكل طبيعية، لكن المناخ الودي سرعان ما تراجع باتجاه ما هو اسوء..
فقد رد كويل مهاجما شخص المرشح الديمقراطي للرئاسة بيل كلينتون بحدة وبشكل مباشر.
نائب الرئيس كويل: " شكرا لك لانك ذكرتني بأدائي في مناظرة 1988... نحن الآن في سنة 1992 وهناك امران ساقوم بالتشديد عليهما خلال هذه المناظرة: الاول، خطة كلينتون
وبرنامجه سوف تزيد الامور سوءا، سوف يزيد عليكم الضرائب، ويرفع معدل الانفاق الحكومي، سوف يضخم هيكل الادارة الحكومية وستفقدون وظائفكم. الامر الثاني: بيل كلينتون... لا يملك القوة ولا الشخصية الملائمة ليصبح رئيسا للولايات المتحدة "
البرت غور، لم يدافع عن بيل كلينتون لكن قام برد الصاع صاعين لكل من كويل والرئيس بوش في كلمات لن تنسى:
غور: " عندما حل الركود كانا كالأيول التي اخذت على حين غرة في الغابة بضوء باهر لمصابيح سيارة سلط عليها من جميع الاتجاهات، مصابة بالعمى غير قادرة على رؤية معاناة والم الناس المفلسين والعاطلين عن العمل"
وبينما تبادل الاثنان توجيه اللكمات، بقي الادميرال ستوكديل معظم الوقت مجرد متفرج.
كويل: " بيل كلينتون لديه مشكلة في التفوه بالحقيقة، الحقيقة والامانة الذين هما مطلب اساس لكي تصبح رئيسا للولايات المتحدة "
غور: " .. جورج بوش، في حال كنت نسيت، قال اقرئوا شفتاي لا ضرائب جديدة، لكن هل تعلم ما حدث؟ "
وحين وصلا الى مرحلة المقاطعة الكلامية المستمرة كل منهما للآخر في دائرة مفرغة، قام هال برونو وسيط المناظرة بمحاولة لانقاذ الموقف: " هلا أعطينا الادميرال ستوكديل فرصة لكي يقفز هنا اذا ما كان يريد ذلك، اذا ما كانت لديه الجرأة للقيام بذلك؟ "
الادميرال ستوكديل: " ارغب بذلك، لاني اشعر مثل المراقب في لعبة بينغ بونغ "
في الواقع فان اداء جيمس ستوكديل لم يتعدى الطابع الاستعراضي، وقد اضاف بعض الطرافة الى جو المناظرة الساخن ونجح في اخراجها عن اطارها المالوف عبر مداخلاته التي قاربت الفواصل الترفيهية بين الفقرات المملة للبرامج التلفزيونية الجادة.
وحين سال وسيط المناظرة عن مدى الحاجة للهجمات السلبية البشعة التي رافقت تلك الحملة الانتخابية في الاسابيع الاخيرة، طلب ستوكديل اعادة السؤال لان جهاز السمع الذي يستخدمه كان مقفلا. وعلى الرغم من انها ناحية طبية صحية مألوفة عند الاشخاص المسنين، الا ان الجمهور انفجر ضاحكا وكأن ستوكديل انما كان يهرج.
كويل: " ماالذي يجعل كلينتون مؤهلا للرئاسة؟ "
غور: " سأكون سعيدا حين اجيب ..."
كويل: " اريد ان اذكر نقطة.."
غور: " حسنا، طرحت علي السؤال، انت لا تريد الاجابة على اسئلتي، أما أنا فأريد أن أجيب أسئلتك "
كويل: " لم أطرح عليك السؤال، أنا أقوم بإلقاء بيان.. أتمنى أن تكون أميركا منصتة بصورة دقيقة الى هذه المناظرة الليلة "
وهنا قاطع ستوكديل قائلاً: " وانا اعتقد ان اميركا تشاهد في هذه اللحظة السبب الذي يجعل هذه الأمة في حالة توقف تام ! "
عموما، كان صدى اجابات ستوكديل ايجابيا على مدار الامسية. لكن الادميرال لم يستطع مناقشة تفاصيل حول قضايا من الدرجة الثانية بالنسبة لكلا المرشحين الاخرين. وبدا الامر بالنسبة له وكأنه عودة الى مرحلة طفل يحضر امتحانا في مدرسة وهو في الاصل لم يعلم الا قبل بضعة ايام من ان اسمه مدرج للاشتراك في المناظرة ولم تسنح له الفرصة للقيام بأي تحضير كاف.
صوت الشعب الاميركي سنة 1992 لصالح التغيير على حساب خبرة بوش، الذي ظهر بمثابة الأب القيم على المؤسسة والذي شكلت المناظرات عبئا ثقيلا عليه، تجلت في مشاهد اظهرته في المناظرة الثانية وهو يتفحص ساعته مرتين مما عرضه للانتقاد وأظهر ضعف موقفه. وفي حين برر مساعدو الرئيس ذلك بان بوش انما كان يتاكد من عدم تجاوز منافسيه الوقت المخصص لكلامهم فقد كان جليا انه انما قام بذلك وهو يعد كم بقي من الوقت لحين انتهاء المناظرة ما عكس الارباك الذي كان يشعر به.
" حسنا، ضغط دمي منخفض أكثر، ووزني، ومعدل الكولسترول.. لكني لن اجعل من الصحة قضية في هذه الحملة. أعتقد أنه أطول مني بقليل.. اعتقد ان هذه هي الفوارق الشخصية بيننا.. ما أعنيه هو اني لا احبذ ان ادخل في الامور الشخصية.. هذه الحملة تدور حول رؤيتي لأميركا ورؤيته الليبرالية لأميركا..."
روبرت دول في مناظرته الاولى مع الرئيس كلينتون في 6 اكتوبر 1996
السناتور روبرت دول البالغ من العمر 73 عاما، عضو مجلس الشيوخ لأكثر من عشرين عاما المرشح السابق لنيابة الرئاسة 1976 وزعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ لأحد عشر عاما متواصلة، يقرر في حزيران 1996 ترك مجلس الشيوخ لأجل هدف سياسي اعتقد انه بمتناول اليد، حين شعر بدنو اللحظة التي طالما تاق اليها.. وقد خيل إليه بانها اقرب مما يجمع فصلين متلاحقين في رواية.. قد تكون روايته هو :الرئاسة
بعد حملة انتخابية ضارية طوال الصيف والخريف، انكفأ دول في اوائل اكتوبر في فلوريدا حيث باشر التحضير لمناظرتين اثنتين ضد الرئيس بيل كلينتون. قام دول بمراجعة كتيبات وتمرن مع نجم هوليوود السابق السناتور فريد تومبسون، كما أعاد التمعن في تجربة مناظرته مع والتر مونديل 1976.
الرئيس كلينتون تدرب بدوره. وذهب الى تشاتاكا في نيويورك، وكان التدريب شاقا على يد ابرز السياسيين الاميركين المخضرمين من ذوي الاصول العربية، الذي قام بلعب دور روبرت دول.. خمنوا من؟
حسنا.. انه زعيم الاغلبية الديمقراطية السابق في مجلس الشيوخ جورج ميتشل!
أمطر ميتشل الرئيس كلينتون بوابل من الاسئلة المحتملة والتي تدور حول قضايا شائكة: مبادرته الفاشلة لاصلاح نظام الرعاية الصحية، الهيمنة الجمهورية على الكونغرس في الانتخابات النصفية، التحقيق في قضية وايت ووتر، وحتى بخصوص تمويل حملته الانتخابية.
الحملات الانتخابية حملات تسويقية: مرشح جديد؟ حسنا سيبدو الامر وكأنه تسويق لسلعة جديدة. مرشح يسعى لاعادة انتخابه؟ اذن فلا بد وان يتضمن المشهد التذكير بمزايا السلعة (المجربة) بوجود منافسة من سلع تنتجها شركة اخرى.
وهكذا فحين تمنع دول عن ولوج مسارات تستفيد من ثغرات شخصية قد تؤدي لانحدار مستوى الحملة الانتخابية، فقد فاجأ بذلك كلينتون الذي تملكته السعادة وغمره الابتهاج كالطفل الصغير، فقد وجد الفرصة مناسبة كي يركز على تسويق نفسه من جديد انطلاقا مما تم خلال فترة رئاسته الاولى، فإذا ما كان قد استأجره الناس كي يقوم بعمل ما فهو لديه الجردة التي تبين تنفيذ ما وعد به.
كلينتون: " اربع سنوات مضت، سعيت للرئاسة في وقت كانت نسبة البطالة عالية والعجز في تزايد. الان، يوجد سجل.. أكثر من عشر ملايين وظيفة جديدة، العائدات في تزايد، نسب الجريمة في انخفاض، أميركا قوية في السلم... نحن افضل ما كنا قبل اربع سنوات، دعونا نترك ذلك يمضي قدما "
دول: " اعتقد ان الفرق الاساسي بيني وبين الرئيس، اني اثق بالشعب بينما يثق هو بالحكومة... انا اعتمد اكثر على الفرد. احمل بطاقة في جيبي اسمها التعديل العاشر للدستور. وحين استطيع سوف اعيد السلطة الى الولايات والى الشعب..."
كلينتون: " انا اثق بالشعب. وعملنا الكثير لمنح الشعب المزيد من القوة وتمكينهم من اتخاذ قراراتهم اليت تتعلق بمعيشتهم... حكومتنا هي اصغر واقل بيروقراطية واعطت سلطة اكثر للولايات، اكثر من الادارتين السابقتين لها تحت حكم رؤساء جمهوريين..."
ليهرر: " سناتور دول، الرئيس قال في بيانه الافتتاحي اننا افضل اليوم ما كنا عليه قبل خمس اربع سنوات خلت.. هل تتفق مع ذلك؟ "
دول: " حسنا، هو اصبح افضل مما كان عليه قبل اربع سنوات.."
كلينتون: " انا اتفق مع ذلك، ذلك صحيح"
دول: " وانا ربما اصبح افضل بعد اربع سنوات من الآن.. لكني انظر الآن الى ابطأ نمو في هذا القرن... ولدينا اكبر عجز خارجي في التاريخ.. الق نظرة.. هل تعتقد انك افضل فعلا؟ اعتقد ان البعض افضل نعم.. صدام حسين ربما افضل حالا مما كان قبل اربع سنوات. لكن هل الشعب الاميركي كذلك؟ للمرة الاولى في التاريخ انت تدفع ضرائب اكثر مما تنفقه على الطعام..."
كلينتون:" السناتور دول اقر في شباط الماضي بان الاقتصاد الاميركي كان بافضل حال وصل اليه منذ ثلاثين عاما، لدينا عشرة ونصف مليون وظيفة اكثر، نمو وظائف سريع كما لم يكن عليه الامر في أي ادارة جمهورية منذ العشرينيات. الاجور تنمو لاول مرة منذ عقد، لدينا ارقام مسجلة من المشاريع الصغيرة الجديدة..."
دول: " انا اشك باقراري بذلك هذا العام، لكن في أي حدث اعتقد انه يجب علينا فقط النظر الى الحقائق الموجودة في حينه. انا اسأل الناس الذين يشاهدونا الليلة: هل انتم افضل حالا مما كنتم قبل اربع سنوات؟ ..."
مسالة السن كانت امرا مقلقا بالنسبة لدول، فقد كان في السبعينات تماما مثل ريغان الذي لا يزال الناس يتذكرون مشاكله الصحية. كلينتون كان وقتها في الخمسين نعم.. لكن فرق اكثر من عشرين عاما يعني جيلا آخر، ومن هنا كان عليه التحسب جيدا لمواجهة تساؤلات تتناول هذه النقطة الحرجة.
فرد من الجمهور: " سؤالي يخصك سناتور دول، عن كل السجال الذي يتناول سنك، كيف تشعر انه بامكانك التجاوب مع الاصوات الشابة في اميركا اليوم والغد؟ "
دول: " ... أعتقد أن الحكمة تأتي من السن، الخبرة والادراك. فإذا كان لديك البعض من كل منها فذلك يضيف الى الحكمة"
أما الرئيس كلينتون فقد كان قد هيأ نفسه مسبقا ليعلق على مثل هذه النقطة.
كلينتون: " لا اعتقد ان السناتور دول هرم على الرئاسة، ما اناقشه هنا هو الهرم الذي تتصف به أفكاره "
بالنسبة للمرشحين لمنصب نائب الرئيس تلك السنة، فقد خاض كلاهما في سنه 1988 محاولات فاشلة للحصول على ترشيح حزبيهما للرئاسة: السناتور السابق عن تينيسي نائب الرئيس ألبرت غور، والنائب الاسبق عن نيويورك جاك كيمب والذي شغل منصب وزير الاسكان والتطوير العمراني في ادارة بوش الاب، اصلاحي اقتصادي مدافع عن خفض الضرائب وسياسات الحوافز. لكنه ايضا.. جاك كيمب لاعب كرة القدم الأميركي المحترف: الكابتن السابق في كل من فريقي كرة القدم الاميركيين الشهيرين سانتياغو تشارجرز وبافالو
بيلز حيث قاد الأخير لاحراز بطولة اتحاد كرة القدم الاميركي، وربما تساءل دول لدى
اختياره عن مدى المساهمة التي من الممكن ان يقدمها له لاحراز بطولة من نوع اخر: سباق الرئاسة.
جاك كيمب: " تناقلت وسائل الاعلام بأن بوب دول سوف يواجه مشاكل نتيجة اختياره (قائد هجوم) كرفيق في حملته...بوب.. من الواضح انك (قائد الهجوم) وانا (الدفاع) وسوف نمضي على طول الطريق"
هل تذكرون حين ابتدأ غور بيانه في مناظرته مع دان كويل عرضا بالا يقارنه بجاك كيندي في حال لم لم يقم كويل بمقارنة بوش مع هاري ترومان؟ لقد فعل ذات الشيء تقريبا مع جاك كيمب:
نائب الرئيس غور: " أود أن أبدأ بأن اعرض عليك صفقة جاك. اذا لم تقم باستخدام اي قصص عن كرة القدم، فلن اقوم بإخبار اي من قصصي الظريفة (الحارة) عن تخفيف (انبعاث الغازات)."
وحين سئل كيمب لماذا لم يقم هو ودول بانتقاد كلينتون على الخلفية الاخلاقية، فقد زاد من استياء مناصري حملة دول الانتخابية من جديد حين أًصر على نبذ اسلوب الهجوم الشخصي مفوتا على نفسه فرصة استغلال ما يمكن اعتباره اهم خرق لوعد كلينتون قبلها بأربع سنوات في جلب الادارة الاكثر أخلاقية في تاريخ الولايات المتحدة.
كيمب: " انا وبوب دول لا نرى في كلينتون وغور عدويين لنا وانما خصمين.. تتبع الامور الشخصية اي كان هو سلوك ادنى من مستوى دول، القضايا سوف تنقل حية.. لكن على ارضية من الاحترام... اتركوا الامر للشعب الاميركي كي يصفي ذهنه فيما هو مؤهل لقيادة اميركا نحو القرن الحادي والعشرين"
ألبرت غور أثنى على جاك كيمب لاجل موقفه المثالي، لكنه قام بذلك بمكر فائق لا بد وانه اضر بالمستقبل السياسي لخصمه، فالناس في كل الاحوال يفضلون السياسي الخشن المقاتل حتى لو كان مثاليا، والبرت غور حين أثنى على كيمب فقد شكر فيه " القوة العظيمة والصوت المأمول ضد الخشونة والفظاظة..."
السجال الاقتصادي اضاف لحظات نادرة من الطرافة الى سياقها الجدي المنمق.
جاك كيمب: " دانا كريست من لانكاستر قالت انه في اليوم الذي سيمرر فيه الكونغرس التشريع الضريبي (وفق تصور الجمهوريين)فستقوم بافتتاح مصنع جديد بما لا يقل عن ستون عاملا من بنسلفانيا، غور سيرى فيه مثل ذلك قطرات أما أنا فأدعوه شلالات نياجارا "
نائب الرئيس غور: " المشكلة مع هذه النسخة من شلالات نياجارا انه سيتم تحميلها من قبل السناتور دول والسيد كيمب الاقتصاد الاميركي بوضعه ببرميل وارساله عبر هذه الشلالات..." (ضحك الجمهور)
بوب دول الطامح الى الرئاسة منذ الازل خسر الرئاسة فقد خاض حملته في الوقت الخطأ.. كيف يمكن هزم السلم والرخاء.. والشباب؟ وهل يمكن تصور منافسة حقيقية حين يخاطب المرشح لنائب الرئيس خصمه بكلمة (صديقي) حتى اثناء تبادل الاتهامات؟
المناظرات: تاريخ من المجازفات عبر الكاميرا الحية 4
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق