جولة في أروقة الحزب الديمقراطي 1


وضاح الأبرش 24 آب 2008

" أريد أن أعبر عن امتناني للحاكم ستيفنسون لأجل تقديمه الترحيبي الحار. لقد كان شرف عظيم لي أن أرافق اسمه في ترشيح مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 1956، وأشعر بالابتهاج لأن أحظى بدعمه ومشورته في الشهور المقبلة.. دعوني أولاً أقول أني أقبل ترشيح الحزب الديمقراطي ... "
سناتور ولاية مساتشوسس جون كيندي، الخامس عشر من تموز 1960

" الليلة نسجل نهاية رحلة تاريخية ببداية رحلة أخرى.. رحلة ستجلب يوماً جديداً وأفضل لأميركا. بسببكم الليلة، أستطيع الوقوف هنا لأقول أني سأكون المرشح الديمقراطي لرئاسة الولايات المتحدة..."
سناتور ولاية إيلينوي باراك أوباما، الثالث من حزيران الماضي

"...وأصيب قادة الحزب الديمقراطي بصدمة قوية جراء الاغتيال قبل أسبوعين من اجتماع الديمقراطيين في دنفر لتسمية أوباما رسمياً كمرشحهم الرئاسي إلى انتخابات نوفمبر. وقال رئيس اللجنة الديمقراطية الوطنية، هاورد دين: نفتقد بمرارة رجلاً محترماً سيذكر من خلال عمله الدؤوب وإخلاصه للحزب الديمقراطي..."
أندرو دي ميللو، مراسل أسوشيتد برس في أركنساس لدى تغطيته اغتيال رئيس الحزب الديمقراطي في الولاية بيل جواتني، الثالث عشر من هذا الشهر.

تغير علينا ليل نهار الأخبار والتقارير.. الأنباء العاجلة وغير العاجلة، المقابلات والندوات، عناوين الصحف الرئيسة والفرعية.. الركيكة منها والمنمقة، الافتتاحيات.. التعليقات والتحليلات، أغلفة المجلات والدوريات لتبرز صورة أحد أبطال المسلسلات التي تزخر بها المواسم المتجددة لمباريات عالم السياسة، مرددة صدى ضوضاءه في محيطه المحلي والدولي، ومكررة اسمه الساحر الذي يستمد ألقه من أعرق مفاهيم علم السياسة: الحزب الديمقراطي، في الولايات المتحدة.

وفي محاولة للولوج خلف التكرار الآلي الأعمى لاسم هذا الحزب وكل ما يتعلق به، سنقوم بعملية استكشاف لما يتوارى تحت الاسم الذي نقش على السطح منذ ما يزيد على قرنين من الزمان.

وتجنباً للغرق في تفاصيل تتطلب مطالعتها فترة قد يتجاوز البحث بها موعد الانتخابات الرئاسية أوائل نوفمبر المقبل، فإن عملية الاستكشاف هذه لن تكون رحلة مطولة، مع ذلك فهي ليست بالجولة السريعة وإنما المتأنية.. في أروقة الحزب الديمقراطي الأميركي.

النشأة
جورج واشنطن قائد المستعمرات الثلاثة عشر التي أعلنت الاستقلال الأميركي عن التاج البريطاني والذي أصبح الرئيس الأول للولايات المتحدة، قام بتعيين رئيس أركانه الكسندر هاميلتون في منصب وزير الخزانة.
أراد هاميلتون الذي ينتمي للحزب الفدرالي.إرساء حكومة وطنية قوية ممولة بشكل يعتمد عليه، ولتحقيق ذلك فقد اقترح برنامجاً طموحاً شمل تحمل ديون الدولة التي نتجت خلال حرب الثورة الأميركية ومن ثم خلق دين عام والوسائل الكفيلة بتسديده وبالنتيجة، تأسيس بنك وطني.
في استجابة لمطالب واسعة في مقاطعته فرجينيا، آثر جيمس ماديسون حليف هاميلتون في معركة التصديق على دستور الولايات المتحدة، التخلي عن التمسك بهويته الوطنية لينضم مع توماس جيفرسون في معارضة برنامج هاميلتون.

وهكذا فإن الجماعات السياسية التي قام بتنظيمها كل من توماس جيفرسون وجيمس ماديسون (وهما من الآباء المؤسسون للولايات المتحدة) وعارضت السياسات المالية الوطنية لوزير الخزانة الكسندر هاميلتون، قد عرفت على أنها الحزب المعارض للحكومة أو معارضو الفدراليين، الذين سموا وصنفوا هؤلاء المناوئين لهم بأنهم ديمقراطيين على أمل أن يتم وصمهم بأنهم مصدر الديمقراطية أو حكم الغوغاء.
وعلى الرغم من أن معارضو الفدراليين تركوا وصف ديمقراطيين لصيقاً بهم، فقد أضافوا إليه سمة " المذهب الجمهوري" تمهيداً لتأسيس: الحزب الجمهوري الديمقراطي، الذي أبصر النور في أوائل التسعينيات من القرن الثامن عشر.
وقد اعتمدت آنذاك تسمية "جمهوري" كون الحزب اعتبر نفسه مدافعاً أول عن مباديء الحكم الجمهوري، الذي هو منظومة قيم لممارسة الحكم شكلت القاعدة الأساس للثورة الأميركية، إعلان الاستقلال 1776، والدستور 1787. والذي شدد على الحرية والحقوق كقيم مركزية جاعلاً من الشعب سيداً كاملاً مستقلاً، داعياً المواطنين لممارسة الواجبات المدنية، رافضاً حكم الأقلية وتوريث السلطة السياسية، ومعارضاً بشدة للفساد.
هذه المنظومة من القيم ليست نفسها الديمقراطية بمعناها الشائع، لأن الجمهورية تصر على أن الشعب يملك حقوقاً لا يمكن تحويلها.. تجييرها أو التنازل عنها ولا يمكن التصويت عليها من قبل أغلبية من المقترعين. وفي حكومة مؤلفة وفق " جمهورية " دستورية فإن حكم القانون يمثل بوضوح المبادئ التي تتحكم في الإدارة الفعلية للحكومة.

وفيما دعا الحزب الفدرالي بزعامة هاميلتون لقيام لحكومة مركزية قوية، واعتماد تفسير مطاط للدستور، وجمهورية محكومة من قبل طبقة من المحترفين المثقفين مكتسباً شعبيته بفضل رجال الأعمال خصوصا.. أولئك من نيو إنغلاند أقصى شمال شرق البلاد، فقد تمثلت أهداف الحزب الجمهوري الديمقراطي في التمسك بتفسير جامد للدستور، واعتماد حكومة فدرالية ضعيفة في مركزها أقرب للكونفدرالية ما أمكن، جاعلة من حقوق الولايات حجر الزاوية في معتقدات الحزب، وإعطاء الأفضلية للفلاح الصغير المستقل مالك أرضه واعتباره آية للفضيلة، واعتبار المدن وما تزخر به من بنوك ومصالح مالية مدعاة للشك والارتياب.
وقد وقعت هذه الركائز تحت تصنيف: ديمقراطية جيفرسون الذي يعتبره الديمقراطيون اليوم مؤسساً لحزبهم، الذي نشط بعد تأسيسه في بناء شبكة من الصحف في المدن الرئيسة تم تحرير موادها طبقاً لمصلحته لتقوم بنشر سياساته واتجاهاته.

سنة 1796 قام الحزب الجمهوري الديمقراطي بمحاولته الأولى للوصول لكرسي الرئاسة عبر جيفرسون كمرشح الحزب للرئاسة وآرون بيور مرشحاً كنائب للرئيس. فاز بالرئاسة نائب الرئيس جون آدامز عن الحزب الفدرالي وأتى توماس جيفرسون في المرتبة الثانية في حيازة أصوات الكلية الانتخابية وأصبح نائباً للرئيس، ليعارض بالوقت ذاته وبشدة سياسات الرئيس الجديد آدامز.

الانقسام الأول
لغاية العقد الثاني من القرن التاسع عشر عارض الحزب الجمهوري الديمقراطي عموماً السياسات الفدرالية مثل الأسعار الباهظة، الانفاق العسكري البحري، الدين العام والبنك الوطني. ومن هنا فقد استمر الحزب قوياً في الغرب والجنوب وضعيفاً في نيوانجلند (الركن الشمال شرقي من الولايات المتحدة) حيث موطن رجال الأعمال.
إلا أنه عقب هزيمة الولايات المتحدة في حربها عام 1812 مع بريطانيا وحلفاؤها ومستعمراتها، انقسم الحزب تجاه هذه القضايا: كثير من القادة الشبان للحزب ومنهم جون كوينسي آدامز نجل الرئيس الثاني، أرادوا بناء دفاع وطني قوي. بينما الفريق الآخر كان متوجساً من أن وجود جيش وطني قوي من الممكن أن يهيأ الأرضية لاضطهاد وقمع الشعب، واستمروا في معارضة السياسات التي تمركز الحكومة وتقوي العسكر.

تفسخ في الحزب يفرز أربع مرشحين
بدأ الحزب الجمهوري الديمقراطي الذي كان الحزب الوطني الحقيقي الأميركي لأكثر من عقد بالتحلل والتفسخ فاقداً بنيته التحتية وهويته، و لم تعد لجنته الحزبية تجتمع لتختار المرشحين. وقد تجلى ذلك سنة 1824 الانتخابية حين قاطع معظم الجمهوريين الديمقراطيين في مجلس الكونغرس اجتماع الخلية الحزبية الترشيحي، ومن حضر منهم فقد دعم وزير الخزانة ويليام كراوفورد كمرشح للحزب.
لكن مؤتمر حزبي آخر عقد في بنسلفانيا بعدها بشهر، قام بترشيح الجنرال أندرو جاكسون وأعلن بأن الخلية الحزبية التي رشحت كروافورد هي خلية شاذة تجاهلت صوت الشعب وقامت بخداع الشعب الأميركي بفكرة مفادها أن كراوفورد هو المرشح الديمقراطي للرئاسة.
وزير الخارجية جون كوينسي آدامز ترشح أيضاً عن الحزب إضافة لرئيس مجلس النواب هنري كلاي.
كراوفورد أصيب بأزمة قلبية حالت دون استمرار كمرشح، وبنتيجة الانتخابات لم ينل أي من المرشحين أغلبية أصوات المجمع الانتخابي، وتحددت النتيجة النهائية من قبل مجلس النواب الذي اختار آدامز.
صعق جاكسون فقد توقع أن يتم اختياره هو كرئيس فهو إن لم يحصل على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي، لكنه حاز أكثرية أصوات هذا المجمع واكثرية الاصوات الشعبية، وقام من ثم بشجب النتيجة واعتبرها محصلة لمساومة فاسدة كون المرشح هنري كلاي أعطى دعمه لآدامز الذي عينه فيما بعد وزيراً للخارجية.

على أي حال، فإن خسارة جاكسون لمعت فرصه السياسية المستقبلية حيث آمن كثير من المقترعين بأن رجل الشعب تعرض للاحتيال من قبل الارستقراطيون الفاسدون للشرق.. في إشارة للشمال الشرقي ونيوإنغلند.
وهكذا ففي حملة الانتخابات الرئاسية التالية عام 1828 حاز جاكسون على دعم الكثير من (الجمهوريين القدماء) الذين دعموا كراوفورد في الانتخابات السابقة والذين بقيوا ملتزمين بحقوق الولايات ومبادئها ليتخذوا من أندرو جاكسون مرشحهم المقبل للرئاسة.

خلال الحملة الانتخابية 1828 التي سادها الافتراء والتشويه شديد للسمعة، تم نعت أندرو جاكسون من قبل معارضيه بالحمار بسبب رؤاه الداعمة لذوي المنابت الشعبية ولأجل شعار حملته: " دع الشعب يحكم " مستغلين التشابه بين اسمه "جاكسون" و " جاكاس" التي تعني باللغة الانجليزية حمار أو غبي كالحمار.
إلا أن جاكسون وعلى عكس المتوقع، أحب أن يبرز بالاسم الذي دعوه به وقلب الأمر لمنفعته الخاصة باستعمال الحمار على ملصقات حملته.

هزيمـة آدامز
هزم جاكسون جون كوينسي آدامز بسهولة. أما السناتور مارتن فان بيورين من نيويورك، فقد سجل له المؤرخون بأنه كان العبقري المنظم الذي أدار نصر جاكسون الكبير على آدامز ودفع باتجاه بروز حزب سياسي عصري مؤسس على بنية جماهيرية عبأت الناخبين: علاوة على القاعدة الوطنية من الدعم، التي تحصلت بقيادة جاكسون وبيورين، قام مناصرو جاكسون ببناء منظمة حزبية جديدة في الولايات مجسدين إخلاصهم لأتباع جيفرسون القدماء وخصوصاً الخطاب المعادي لحكم الأقلية، الريبة في البنوك والأوراق المالية والايمان بالشعب.

وباستخدامه الموسع لنظام الغنائم الذي يمكن فريق سياسي فائز في الانتخابات من تعيين أنصاره وأولئك ممن ساعدوه على الفوز في المناصب والمراكز الحكومية، أزال الرئيس جاكسون القدماء من كبار الموظفين ليفسح المجال للموالين للحزب.
وعلى غرار ديمقراطية جيفرسون في القرن السابق فقد ظهر إبان حكم جاكسون تصنيف جديد: ديمقراطية جاكسون، عارض تحت مظلته النخب والنبلاء من الديمقراطيون بنك الولايات المتحدة وبرامج التحديث التي تتوخى بناء صناعات على حساب دافع الضريبة.

أنصار المرشحين نواة لأحزاب اليوم
أعضاء الحزب الجمهوري الديمقراطي الذين وفروا الدعم لجون كوينسي آدامز قبل صعوده للرئاسة عام 1825 وصفوا أنفسهم بعد هزيمة آدامز على يد جاكسون على أنهم الجمهوريين الوطنيين وسيقومون تالياً بمناوئة جاكسون بحدة ومن ثم الانشقاق والتطور التدريجي وقد انضم إليهم أعضاء الحزب الفدرالي السابقين، ليؤلفوا الحزب الوطني الجمهوري، قبل أن يتحولوا إلى حزب الويغ..
فيما ستقوم الفرق التي دعمت أندرو جاكسون بتشكيل الحزب الديمقراطي (المعاصر) الذي سيصبح شائعاً بهذا الاسم بحلول 1830.. والذي عقد مؤتمره الوطني الأول في 1832 ليتم مجدداً ترشيح كل من أندرو جاكسون ومارتن فان بيورن للرئاسة ونيابتها.
على أي حال، فإن مناوئين الحزب استمروا حتى يومنا هذا ينعتوه بحزب "الديمقراطيين" مرددين وصف "ديمقراطيين" في سياقه الغوغائي الأصلي حين أطلق على أعضاء الحزب من قبل فدراليو القرن الثامن عشر.

خلال رئاسة جاكسون عاد "الحمار" ليطل برأسه من جديد، لا سيما وأن "الحمار" لا يجسد الغباء بقدر ما يقدم نموذجاً للعناد.. وهو ما راق لجاكسون حين عاد معارضوه لاستعارة ترميز الحمار لتقديم عناده حين نقض إعادة الترخيص للبنك الوطني. وحتى ذلك الوقت فإن رمز الحمار بدا لصيقاً بشخص الرئيس جاكسون وليس الحزب. وبعد تقاعده وكان لا يزال يعتقد نفسه زعيماً للحزب، ظهر في كارتون جديد محاولاً توجيه الحمار أي الحزب حيثما يريد هو وكان يتبع الحمار الذي امتطاه جاكسون نائبه الذي خلفه في الرئاسة مارتن فان بيورين. وهنا أيضاً نقول أنه على الرغم من أن هذا الكارتون صور الحزب الديمقراطي هذه المرة بالحمار وليس الرئيس بحد ذاته، إلا أنه لا كان يزال ترميز الحمار ملتصقاً بشخص جاكسون.

من 1828 وحتى 1848 كانت قضايا البنوك والأسعار في مركز قضايا السياسة المحلية للحزب الديمقراطي الذي جمع بين صفوفه ائتلافاً ضم الكاثوليك الايرلنديين و المزارعين العمال، ومن هنا فقد دعم الديمقراطيون بشدة توسيع رقعة المساحات المزروعة وجسدوا ذلك في ترحيل وإقصاء الهنود الأميركيين الشرقيين الأصليين والحصول بذلك على مساحات وفيرة من الأراضي الجديدة في الغرب.
بعد 1846 مال الحزب للحرب التي استمرت عامين مع المكسيك بسبب ضم الولايات المتحدة لتكساس، وعارض العداء للهجرة.

انشقاق في الحزب.. فهزيمة
في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي لعام 1848، تم انشاء اللجنة الوطنية الديمقراطية. في ذلك المؤتمر سمي الجنرال لويس كاس مرشحاً للرئاسة لكنه خسر أمام الجنرال زاكاري تايلور مرشح الويغ (الحزب الوطني الجمهوري في عهد جاكسون والذي سيعود لهذه التسمية فيما بعد)، وكان السبب الرئيس لخسارة كاس حصول انقسام جديد في صفوف الحزب.

" نحن ننقش على رايتنا، تراب حر، خطاب حر، عمل حر ورجال أحرار، وتحت هذا النقش سوف نحارب.. حتى يثيب نضالنا نصر مؤزر "
الشعار الانتخابي لمرشحي حزب التراب الحر 1848

السبب الرئيس لهزيمة مرشح الحزب الديمقراطي لويس كاس كان انشقاق بعض قيادات الحزب ممن عارضوا الاستعباد وتشكيلهم مع الأعضاء السابقين لحزب الويغ لحزب جديد ثالث هو التراب الحر. هدفه الأساس كان معارضة توسيع الاستعباد نحو المناطق الغربية، مجادلاً بأن الرجال الأحرار على التراب الحر مشمولين بنظام أخلاقي واقتصادي له أفضلية على نظام العبودية. أصحاب هذا المبدأ عارضوا امتداد العبودية لكنهم لم يدعوا لإلغائها في الولايات حيث وجدت. هدفهم تمثل في اكتساب الأرض إلى جهة الغرب، والاحتفاظ بها خالية من كلا السود والعبيد. انشقاق بعض قيادات الحزب الديموقراطي وانضمامها للتراب الحر أثر على التصويت لمصلحة المرشح كاس وأفقده الكثير من الأصوات وخصوصا في نيويورك، حيث ذهبت الأصوات الانتخابية إلى تايلور. لم يتجاوز عمر التراب الحر أكثر من أربع سنوات، حيث أن التنسيب للحزب تم احتوائه بشكل كبير من قبل الحزب الجمهوري في 1854.

انقسام وتعدد مرشحين.. فهزيمة
زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، سناتور إيلينوي ستيفن دوغلاس عارض وأحبط محاولة الرئيس جيمس بيوكانان وأنصاره الجنوبيين لتمرير تشريع فدرالي بدعم العبودية رغم معارضة شعب ولاية كنساس، معتبراً هذه الحركة بمثابة إجراء غير ديموقراطي.. سبب ذلك انقساماً في الحزب الديمقراطي في انتخابات 1860 .
ففي الوقت الذي نال فيه دوغلاس ترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة فقد قام فريق جنوبي منشق بتسمية مرشح خاص بهم: نائب الرئيس جون بريكينريدج.
والنتيجة انقسام في الحزب بين جناح شمالي- دوغلاس وجناح جنوبي- بريكنريدج ما أفسح المجال بشكل قوي أمام المرشح الجمهوري لينكولن ليصبح الرئيس السادس عشر.

الحرب الأهلية..انقسامات في الحزب وشراكة مع الجمهوريين
عام 1861 وبعد فوز لينكولن الذي خاض حملته الانتخابية على أساس مناهضة توسع العبودية، أعلنت إحدى عشرة ولاية في الجنوب الأميركي ممن تشرع الرق، الانفصال عن الاتحاد الأميركي والحكومة المركزية لتؤلف الولايات الأميركية الكونفدرالية ما أضرم الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب.
خلال هذه الحرب، انقسم الديمقراطيون في الشمال إلى فريقين: ديمقراطيو الحرب الذين دعموا السياسات العسكرية للرئيس لينكولن، وأولئك الذين عارضوهم والذين أرادوا سلام فوري مع الكونفدراليين ونعتوا من قبل الجمهوريين باسم الأفعى الشمال أميركية السامة (كوبرهيدز) وذلك قبل أن يقوم دوجلاس بتوحيد الجناحين خلف الاتحاد الفدرالي.
خلال هذه الحرب لم يسمح بأي سياسات حزبية في الكونفدرالية بينما ازدهرت الشراكة الحزبية بين الحزبين في الشمال.
في انتخابات عام 1864 انقسم الديمقراطيون من جديد، حين ترشح عن الحزب الجنرال جورج مكليلان على أرضية الدعوة للسلم، كان دوغلاس قد توفي قبلها بثلاث أعوام ومعظم الديمقراطيين انسحبوا لتأييد مرشح الاتحاد الوطني الرئيس لينكولن.

تدهور اقتصادي.. فانقسام
نتيجة انتخابات 1884 تسلم حاكم ولاية نيويورك الإصلاحي غروفر كليفلاند الرئاسة، وكان زعيماً للديموقراطيين البوربون وهم الفريق المحافظ أو الليبرالي التقليدي ضمن الحزب الديمقراطي. وقد مثل هؤلاء مصالح التجارة الحرة ودعموا أهداف الأعمال المصرفية وسكك الحديد، وعززوا مبدأ " دعه يمر.. دعه يعمل" الرأسمالي، كما عارضوا الاحتكار والتوسع الأميركي ما وراء البحار.
كان البوربون في السلطة حين ساد الرعب في المجتمع الأميركي عام 1893 بفعل التدهور الاقتصادي وتلقوا اللوم جراء ذلك، تلا ذلك صراع عنيف داخل الحزب ومن ثم مواجهة حاسمة بين فرق البوربون والفرق الداعمة للمصالح الزراعية في 1894.

قاد الرئيس غروفر كليفلاند فريق الحزب من المحافظين والمؤيدين للتجارة الحرة لكن في الوقت الذي ازداد فيه الكساد عمقاً سنة 1893 فقد كان أعداؤه يتضاعفون.
في مؤتمر الحزب 1896 نأى فريق المدافعين عن إعادة إنتاج الأراضي الزراعية واعتماد الفضة في النقد بنفسه عن الرئيس، ورشح الخطيب اللاذع ويليام جينينغز بريان بناء لقاعدة تدعو إلى سك حر للفضة .
الفكرة كانت تقضي بأن سك النقد باعتماد الفضة يمكن أن يضخ الاقتصاد بالسيولة وينهي الكساد.

ديمقراطيـو الذهب
أنصار كليفلاند قاموا بتشكيل حزب خاص بهم، هو الحزب الوطني الديمقراطي أو ديمقراطيو الذهب والذي اجتذب السياسيين والمفكرين.. في الوقت الذي قام فيه بريان في مؤتمر الحزب بإلقاء خطاب صاخب على مدار الليل دافع فيه عن اعتماد الفضة إلى جانب الذهب في تقييم الوحدات المالية، ومعارضة تعليق عملة الولايات المتحدة على مشجب معيار الذهب لوحده، ودفع باتجاه هجوم عنيف من نوع جديد على مناصري معيار الذهب.
معظم الصحافة الديمقراطية كرهت بريان، إلا أنه تحكم بالإعلام عبر صناعة الخبر كل يوم في اندفاعه كالصاعقة ضد المصالح المالية الشرقية، واجتياحه جيئة وذهاباً مناطق الشرق و الغرب الأوسط في قطار خاص. في الواقع، فقد كان المرشح الأول الذي ينزل إلى الشارع.. ليلقي أكثر من 500 خطاباً على مسامع جماهير بلغت الملايين. وعلى سبيل المثال، فقد ألقى في سانت لويس وحدها مالا يقل عن 36 خطاباً للعمال على مدار المدينة وكل ذلك في يوم واحد!
الديمقراطيين من الأقليات الألمانية والأيرلندية شعروا بالخوف من بريان، وكذلك الطبقات الوسطى، رجال الأعمال، محرري الصحف، عمال المصانع، عمال سكك الحديد، وأغنياء المزارعين كلهم رفضوا عموماً موجة بريان.
في المقابل وعد المرشح الجمهوري ويليام ماكينلي بالعودة إلى الازدهار المبني على معيار الذهب ودعم الصناعة السكك الحديدة والبنوك والتعددية التي تتيح لكل الجماعات التحرك قدماً، وهو ما أوصله لكرسي الرئاسة عام 1896 محققاً فوزاً للجمهوريين وضع بداية ما سمي الحقبة التحررية الاصلاحية من 1896 – 1932 حيث كان الحزب الجمهوري مهيمناً. وبالنسبة لبريان، على الرغم من خسارته الساحقة للانتخابات إلا أنه كسب قلوب معظم الديمقراطيين.

المحافظون المعادون لبريان أعادوا التحكم في مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 1904 لكنهم ووجهوا بنصر ساحق لمرشح الجمهوريين الرئيس تيودور روزفلت ومن ثم هوارد تافت في 1908.
ولم يكن خلال هذه الحقبة ما يمكن أن يقوي عضد الديمقراطيين إلا حدوث انقسام عميق ساد الحزب الجمهوري، استفاد منه الديمقراطيون ليفرضوا سيطرتهم على مجلس النواب عام 1910 ومن ثم يمهدوا الطريق لانتخاب المصلح المفكر وودرو ويسلون رئيساً للبلاد في 1912 و1916.
قاد ويلسون الكونغرس بنجاح لسلسلة من القوانين التي تراعي نواحي الاصلاح الاجتماعي، منها تخفضة التعريفات وقوانين قوية معادية للاتحادات الاحتكارية، برامج جديدة للمزارعين، نظام دفع اجور بالساعات لعمال السكك الحديدية.. في واقع الأمر، فقد قاد ويلسون استقراراً للتعريفات وتضاد للاحتكارات حكمت السياسة لأربعين سنة.

رغم ذلك فقد حملت سنوات العشرينيات من جديد انقسامات عميقة في الحزب الديمقراطي تجاه عدد من القضايا وبشكل خاص تحريم انتاج وبيع الكحوليات، ما سهل للجمهوريين تحقيق انتصارات انتخابية متلاحقة وساحقة..
على أي حال فإن انتخاب فرانكلين روزفلت حاكماً لولاية نيويورك سنة 1928 جلب زعيماً جديداً لمركز الواجهة.


" على امتداد البلاد، الرجال والنساء المنسيين يتطلعون إلينا هنا..لإنصاف أكثر في المشاركة بتوزيع الثروة الوطنية.. أنا أعاهدكم..أعاهد نفسي.. بإبرام صفقة جديدة لأجل الشعب الأميركي.."
فرانكلين ديلانو روزفلت في خطاب قبوله ترشيح الحزب الديموقراطي 1932

أدى انهيار البورصة عام 1929 والكساد العظيم الذي تبعها إلى تعبيد الطريق أمام حكومة أكثر إصلاحية،
في الوقت الذي انتخب فيه فرانكلين روزفلت عام 1932 بنصر كاسح وقد خاض حملته على أساس:
" التخفيف، التعافي، والإصلاح " أي : التقليل من البطالة ومعاناة الريف، تعافي الاقتصاد وإعادته للصورة الطبيعية، وإصلاح هيكلي طويل الأمد لتلافي تكرار الانهيار. وهو ما أصبح يعرف بالصفقة الجديدة- نيو ديــل بعد الجملة التي تضمنها خطاب قبوله ترشيح حزبه له.

الديمقراطيون اكتسحوا الكونجرس بمجلسيه بأغلبيات كبيرة وضمن حكام الولايات.
حول روزفلت من مسار طبيعة الحزب بعيداً عن المذهب الرأسمالي (دعه يعمل..دعه يمر) وباتجاه التنظيم الاقتصادي والضمان بمواجهة المعاناة.
كلمتين قديمتين اتخذتا معنى جديداً: " ليبرالي أو تحرري " أصبحت تعني مناصر للصفقة الجديدة، ومحافظ أضحت تعني المناويء لهذه الصفقة.
شعر الجناح المحافظ في الحزب الديمقراطي أنه تعرض لجور وطغيان: وبقيادة ال سميث شكلوا عصبة الحرية الأميركية في 1934 وبدؤا برد الهجوم.. ولكنهم فشلوا وهم بالنتيجة إما تقاعدوا من ممارسة السياسة أو انضموا للحزب الجمهوري. وقلائل منهم فقط وجدوا طريقاً للعودة لصفوف الحزب الديمقراطي.

المؤرخون سموا برامج 1933 بالصفقة الجديدة الأولى التي حصلت على الاجماع الكامل، وقد حاول روزفلت كسب دعم رجال الأعمال والعمال، المزارعين والمستهلكين، المدن وأريافها.
وبحلول 1934 أطلق برنامجاً تشريعياً طموحاً سمي الصفقة الجديدة الثانية التي تميزت بإنشاء اتحادات العمال وتأميم مشاريع الرعاية الاجتماعية، فارضاً كثير من التنظيمات على فوائد الصفقات التجارية.
ركز برنامج روزفلت على خلق فرص العمل وتضمن إصلاح النظام المصرفي، تنظيم العمل المواصلات الاتصالات وأسواق البورصة إضافة لمحاولة تنظيم مستوى الأسعار. و سرعان ما أرست سياساته دعائمها بفضل توحيد ائتلاف متعدد المشارب من المقترعين الديمقراطيين سمي ائتلاف الصفقة الجديدة، وقد تضمن اتحادات العمل، الجنوبيين، الأقليات (وبشكل خاص الكاثوليك واليهود) والليبراليين. هذا الاتحاد بين المقترعين سمح للديمقراطيين بأن يتم انتخابهم للكونجرس والرئاسة لأكثر من 30 سنة مقبلة.
عقب نصر مظفر في إعادة انتخابه 1936، أعلن فرانكلين روزفلت خططاً لتوسيع المحكمة العليا التي كانت تميل على الدوام لمعارضة صفقته الجديدة، بخمس أعضاء إضافيين.

انقلاب نائب الرئيس
إلا أنه حصل ما لم يكن في الحسبان، حين انفجرت عاصفة نارية من المعارضة لروزفلت بقيادة نائبه جون نانسي غارنر، ما أدى إلى هزيمة روزفلت بفعل حلف من الجمهوريين والديمقراطيين المحافظين الذين ألفوا ائتلافاً محافظاً درج على سد الطريق تقريبا أمام كل التشريعات الاصلاحية للرئيس.
مستاءاً من الجناح المحافظ لحزبه، قام روزفلت بمحاولة للأخذ بالثأر لنفسه.. في 1938 بذل جهوداً فاعلة ضد خمس من أعضاء مجلس الشيوخ من المحافظين الديمقراطيين لمنع إعادة انتخابهم، لكنهم مع ذلك..فازوا جميعهم بإعادة الانتخاب.

بالنتيجة، أصبحت هوية الحزب الديمقراطي تحت لواء فرانكلين روزفلت أكثر التصاقاً بالليبرالية المعصرنة التي تضمنت تعزيز نظام الرعاية الاجتماعية، اتحادات العمل، الحقوق المدنية وتنظيم الصفقات التجارية.

" تم إبلاغ نائب الرئيس ترومان ودعي إلى البيت الأبيض من قبل السيدة روزفلت.. تم التشاور مع وزير الخارجية ودعيت الحكومة للاجتماع... لقد قام الرئيس بعمله حتى النهاية كما أراد، ورحل بعد ظهر هذا اليوم..."
الناطق الصحفي باسم البيت الأبيض، 12 أبريل 1945

على نحو غير متوقع، وبعد شهرين ونصف فقط من ادائه القسم كنائب للرئيس، أدى هاري ترومان اليمين الدستورية ليصبح الرئيس الثالث والثلاثين للولايات المتحدة. حدث ذلك بعد وفاة الرئيس فرانكلين روزفلت بصورة مفاجئة اثر نزيف حاد في المخ.

ليست هناك تعليقات: