وضاح الأبرش 3 يناير 2009السابع والعشرين من ديسمبر 2008: هدير مطرقة الموت يدوي على حين غرة ليصم الاذان في مدينة غزة، اجساد الضحايا تتناثر والدم يتدفق غزيرا جدا ليروي فصول مرحلة جديدة من تاريخ الفلسطينيين، قوامها الغضب والذهول الممتزجان برطوبة الدم ولهاث الانفاس المحتضرة.
" مطلقا مطلقا مطلقا.. لم يمر علينا في كل تاريخنا في غزة حصيلة من القتل كهذه تتم في ساعة واحدة.. ان الحصيلة مروعة "
الدكتور اياد سراج، مدينة غزة.
سحب الدخان الاسود التي انبعثت من مواقع القصف لتمضي عاليا تشق عباب السماء كانت من الكثافة بحيث اظهرت القصة المؤلمة كما هي دون أي تنميق، للعالم اجمع.
" اسرائيل تهاجم مدينة غزة: انها حرب.. انظر الى الدخان، انظر الى الجثث.. انظر الى الاشلاء "
فيونا غراي، سكوتلاند أون صاندي.
" سلسلة من الانفجارات كانت تسمع فوق مدينة غزة. في المكان حيث كنا، كانت هناك على الاقل سبعة سحب من الدخان بفعل الضربات الجوية وكنا نرى بعض الضحايا وهم ينقلون في السيارات "
ايمن محي الدين، مراسل الجزيرة في غزة.
الاخبار هي الصياغة الاولية للتاريخ، ومع نقل شبكات التلفزة حول العالم لما كان يعصف بغزة فقد كان جزء من تاريخ تلك المدينة المحاصرة يتشكل بتفرد.. قبيل ظهر ذلك اليوم بقليل، حين كان الاطفال في مسيرهم اليومي عائدين من مدارسهم لتناول ما يبقيهم احياء، فيما امهاتهم تنتظرهم على الابواب.. تدق الغارة الاولى ابواب المدينة دون انذار حيث بدات غزة بالتعرض لقصف غير مسبوق في تاريخها.
حين يقوم الصحفي بنقل الصورة للمشاهد من مكان الخبر فهو يجسد عين المتلقي في المكان الذي لا يستطيع الاخير الوصول اليه أو لا يرغب في الوصول اليه مباشرة، وهو لا يستطيع في مهمته تلك أن يغفل اي من المكونات المفصلية للحدث في خضم الثورة الهائلة في اساليب وادوات النقل الاخباري لكل عناصر الصورة، والتي تستتبع تنافسا في تقديم القصة بأكمل شكل ممكن.
لكن من غير الممكن ايضا تجنب الابتعاد عن الجوانب الانسانية للموضوع الاخباري، فالعمل الصحفي هو فن نقل الحياة الى الجمهور والحياة ليست الا البشر وما يعانوه من مشكلات.. ما يشعرون به من فرح أو ما يلم بهم من احزان. الا ان هؤلاء الناس شاؤوا أم أبوا هم في نهاية الامر نتاج المجتمعات والكيانات السياسية التي ينتمون اليها، يتأثرون ويأثرون بعلاقات معقدة تفرضها عليهم بيئتهم الداخلية ومحيطها الخارجي، يمثلون رغما عنهم ديانات اعراق.. قوميات بلغات مختلفة، ويتوزعون بصورة طبيعية في علاقات تبادلية لا متناهية تمثل احدى اشكالها البسيطة الرابطة بين المراسل في موقع حدث ما والضحايا المتواجدين في هذا الموقع والذين يشكلون المادة المباشرة للحدث، وهو ما قد يستتتبع التركيز على نقاط او نواحي اكثر من غيرها عمدا او عفوا.
الحديث عن المكونات المباشرة لاي حدث يشير مباشرة الى تلك الغير مباشرة، ففي حدث مثل قصف غزة فإن بيان الناطق الصحفي باسم البيت الابيض يمثل احد الجوانب الغير مباشرة، فقد اوضح حجم الحرية المتاحة للاسرائيليين في استهداف المواقع التابعة لحركة حماس التي وصف اعضائها بأنهم " مجرد قطاع طرق"،
داعيا اسرائيل الى "تجنب المدنيين اثناء قصف حماس " وكأنه يقول "اقصفوا حماس بدقة". لقد اظهر ذلك البيان بأن الدعم الاميركي للهجوم المميت على غزة لم يكن ضمنيا وانما صريحا بل وفجا، وهو ما طرح تساؤلا ملحا عن مدى تماهي القصة الاخبارية الاولى التي اعتمدت على مواقع الانترنت من قبل شبكات الاخبار الرئيسة في الولايات المتحدة: سي ان ان، سي بي اس، ام اس ان بي سي، اي بي سي وفوكس نيوز، مع الموقف الرسمي للبيت الابيض.
شبكة سي ان ان العالمية، نشرت نبأ الهجوم تحت عنوان اخباري عام: " 155 قتيلا على الاقل في غارات اسرائيلية على غزة " الا انه جنبا الى جنب مع العنوان تم وضع العناوين والمحاور الرئيسة التي تلخص الخبر والتي من الممكن لأي شخص يتصفح الانترنت ان يطالعها ويكتفي بها دون الولوج في محتوى الخبر، وقد وضعت تلك المحاور الرئيسة بالترتيب التالي:
البيت الابيض يحث حماس على وقف الهجمات، واسرائيل على تجنب المدنيين.
مقتل اسرائيلي واحد في هجوم صاروخي أعلن عنه جناح عسكري لحماس.
حصيلة القتلى في غزة وصلت الى 155، حسب المصادر الاسرائيلية والفلسطينية.
مقتل عدة ضباط شرطة من حماس بمن فيهم قائد شرطة.
في مطلع الخبر، بدا ان هنالك حرص على ابراز قوة الضربات ليس لابراز فداحة الهجوم، بقدر ما كان بهدف عرض القدرة الاسرائيلية : " الضربات الجوية الاسرائيلية سحقت الاهداف في غزة، وقتلت على الاقل 155 شخصا حسب المصادر الطبية الفلسطينية. متحدثة باسم الجيش الاسرائيلي قالت ان بلاده مستعدة لمواصلة الهجمات مهما استغرقت من وقت"
وقبل ان تورد سي ان ان أسماء ضباط شرطة فلسطينيين قتلا في الهجوم فقد ذكرت ان الهجمات الاسرائيلية اعقبت " عدة ايام " من هجمات الصواريخ من غزة الى داخل اسرائيل. دون تحديد نوعية تلك الصواريخ، فيما سيوحي بالضرورة لقاريء ليس لديه اي خلفية عن الموضوع بأن الصواريخ الفلسطينية كانت بقدرة تدميرية هائلة.
لذلك فقد تلى ذلك تفصيل تصريح الضابطة الاسرائيلية الذي سبق وان تمت الاشارة اليه في بدايه الخبر، صيغ بحيث يتضمن تعابير تشير الى ان طابع الهجوم ليس عدوانا وانما هو رد فعل محض " لحفظ الوضع الامني في اسرائيل "
وانذارا رسم في عبارات دلت على التمنيات الاسرائيلية بتدهور الامور نحو الاسوء: " نحن نستعد لجميع السيناريوهات ايا كانت، لدينا عمليتنا وتقديراتنا فيما نمضي قدما، ونحن جاهزون لمواصله هذه العملية مهما استغرقته من وقت "
وجنب الى جنب مع هذا التصريح، تم وضع وصلة للقطات فيديو بعنوان صيغ للايحاء بأن الضربات الاسرائيلية اصابت الفلسطينيين بالعجز والبؤس: " انظر الى الفلسطينيين المذعورين وهم يحاولون مساعدة الجرحى "
من متحدثة باسم الجيش الاسرائيلي الى متحدثة باسم الشرطة الاسرائيلية، يورد الخبر بيانها بالتفصيل والذي يفيد بأن امراة اسرائيلية قتلت حين اطلق صاروخ من غزة اصاب منزلا في نيتيفوت، حوالي ستة اميال شرق غزة، وان اسرائيليين بحالة اقرب للخطر نقلا الى مشفى في بئر السبع.
فيما احصى البيان " خمسة عشر صاروخا فلسطينيا على الاقل" دائما دون تحديد النوع
"حطت.." وكأنها طائرات،
"..في اسرائيل " دون تحديد المنطقة وكأنها غطت كل اسرائيل.
ثم اتى دور بيان وزارة الدفاع الاسرائيلية الذي اقتبس عنه خبر السي ان ان تأكيده على " استمرار الهجوم والاستعداد لتوسيعه بقدر ما يتطلبه الامر تبعا لتقدير الوضع من قبل القيادة العليا للجيش "
وبعد ان تم عرض موقف الدكتورة حنان عشراوي عضو المجلس التشريعي الفلسطيني التي انتقدت بشدة التصعيد الاسرائيلي ضد " المدنيين المعتقلين لشهور تحت حصار حرمهم من المتطلبات الاساسية " اوردت السي ان ان خبر دعوة الجامعة العربية لمؤتمر طاريء في القاهرة " لأجل مناقشة اتساع العنف "
علما ان الدعوة التي أتت على لسان الأمين العام للجامعة عمرو موسى كانت حرفيا (لبحث العدوان الاسرائيلي على غزة)
ومن ثم بيان البيت الابيض الذي دعا حماس (أولا) لايقاف الهجمات على (اسرائيل) ودعا اسرائيل " لتجنب اصابه المدنيين فيما تستهدف حماس في غزة "
بعد هذه الاستراحة المقتضبة عادت البيانات الاسرائيلية لتحط في خبر سي ان ان، هذه المرة كان بيان قوات الدفاع الاسرائيلية الذي تضمن بأن " تحرك القوات الجوية أتى كنتيجة لاستمرار النشاط الارهابي لمنظمة حماس الارهابية من قطاع غزة، والاستمرار في اطلاق الصواريخ واستهداف المدنيين الاسرائيليين "
هذا البيان في الواقع كان مقدمة لتبرير الفقرة التالية له التي تطرقت الى الاصابات الفلسطينية بعد أن اصبحت في ترتيب يجعل القاري ء اكثر قبولا لها:
" داخل مشافي غزة بدا الاطباء مرتبكين، الارض كانت مغطاة بالرجال الجرحى وبعض الاطفال، الكثير قتلوا والكثير جرحوا، الناس كانوا يركضون في الطرقات "
ثم وعطفا على فقرة الاصابات، ادرجت معلومة ارسال مصر 20 عربة اسعاف مع طواقمها الطبية عبر معبر رفح لمساعدة الجرحى.
ولمحاولة الايحاء على مايبدو بأن اجواء الرعب تسود الصحفيين الذين يقومون بتغطية اخبار غزة، اشارت السي ان ان الى أن الصحفي الذي ذكر بأن الهجمات كان " اكبر ما شاهده خلال عقود في غزة " لن يتم ذكر اسمه خوفا على سلامته!! سلامته ممن؟ وهل هو سر خطير بأن ما حصل هو الهجوم الاعنف الغير مسبوق؟
ثم عاد الخبر بعد ذلك، لمتابعة نقل بيان قوات الدفاع الاسرائيلية بأن الاهداف تشمل " قواعد عمليات حماس التي تدار من قبل مراكز المنظمة ومعسكرات التدريب ومستودعات الذخائر الحربية "
ختام الخبر اتى للتأكيد على ان ما جرى في غزة هو رد فعل على "خرق الفلسطينيين لاتفاق الهدنة مع الاسرائيليين " الذي وحسب ملخص السي ان ان تمخض عن موافقة حماس على ايقاف الهجمات على اسرائيل من غزة، فيما وافقت اسرائيل على تعليق الغارات داخل الاقليم وتخفف من حصارها على البضائع المخصصة للاستهلاك البشري.
وتضمنت الفقرة الاخيرة ما مفاده ان يوم الجمعة الفائت قد شهد فتح اسرائيل لثلاث نقاط عبور للمرة الاولى ولمدة عشر ايام للسماح بمرور الغذاء والامدادات الطبية الى غزة، (وهنا العبارة الاخيرة) :" لكن هجمات الصواريخ الفلسطينية استمرت ".
الصورة الرئيسة التي تم خصصتها شبكة سي ان ان لقصتها كانت لطفل فلسطيني " جرح بفعل صاروخ اسرائيلي وينتظر المعالجة خارج مشفى بمدينة غزة "
لكن كانت هناك ايضا وصلة انترنت تحت الصورة بمسافة قليلة : " لا تفوت مطالعة (الخبر السابق): صاروخ يقتل طفلين عقب اعادة فتح معبر غزة "
علما ان الطفلين المقصودين بالخبر كانا فلسطينيين وليس اسرائيليين، وقد اصيبا بطريق الخطأ.
أما مواقع شبكات التلفزيون الاخبارية الرئيسة الاخرى ام اس ان بي سي، اي بي سي، سي بي اس وقناة فوكس نيوز فقد اعتمدت نفس القصة الاخبارية من وكالة الاسوشيتد برس الاميركية، والتي هي ملكية تشاركية بين صحف ومحطات اذاعة وشبكات تلفزيون اميركية، تتشارك في استعمال المواد المكتوبة من قبل طواقم هذه الوكالة. لكن كان هناك فارق بحجم صغير ومدلول كبير، عبارة عن مقطع في ذلك التقرير حذفته على ما يبدو ام اس ان بي سي و اي بي سي، وأبقته كل من سي بي اس وفوكس نيوز. ذلك المقطع تضمن تبريرا مكشوفا للضربات الاسرائيلية:
" الغارات على الارض والضربات الجوية المحدودة لم تلجم وابل الصواريخ من غزة. لكن مع مئتين من قذائف المورتر والصواريخ التي أمطرت اسرائيل منذ انتهاء الهدنة قبل اسبوع و3 الاف منذ بداية العام فإن الضغط قد ازداد على اسرائيل لأجل أن يقوم العسكر بطحن المسلحين."
التقرير الذي نشر في المواقع الاخبارية الاربع، حمل اسم كاتبه فقط في نسخة شبكة اي بي سي وهو ابراهيم برزك مراسل الوكالة في مدينة غزة، فيما اكتفت المواقع الاخرى بالأحرف المختصرة لوكالة الاسوشيتد برس في بداية التقرير. شبكات اربع، تقرير واحد بفارق مقطع مشترك بين شبكتين، عناوين اربع حرصت على ذكر عدد القتلى حتى تلك الساعة، اثنين منها تماثلا، فيما اشار ثالثهما الى الطابع الغير مسبوق للهجوم، وركز رابعهما على التحذير الاسرائيلي.
" اسرائيل هدمت مجمعات حماس، وقتلت اكثر من 155 قتيلا في هجوم غير مسبوق "
الصورة الرئيسة التي ارفقت مع الخبر كانت لثلاث سحب دخان.
موقع شبكة تلفزيون اي بي سي.
" الغارات الجوية الاسرائيلية توقع اكثر من 155 قتيلا "
الصورة: شاب ينتحب فوق جثة رجل امن فلسطيني مدمى وقد فارق الحياة.
موقع شبكة ام اس ان بي سي.
" اسرائيل تنذر بتوسيع الغارات الجوية على غزة فيما حصيلة القتلى تجاوزت 155 "
الصوره الرئيسة: ثلاث سحب دخان.
قناة فوكس نيوز الاخبارية.
" غارات اسرائيل في غزة تسقط اكثر من 155 قتيلا "
الصورة الرئيسة: موقع تشتعل فيه النيران وامامه مقاتل فلسطيني.
شبكة اخبار سي بي اس.
استهل مراسل وكالة الاسوشيتد برس تقريره بأن الطائرات الاسرائيلية تنتقم من اطلاق صواريخ من قطاع غزة عبر " سحق " عشرات مجمعات الامن على طول الاقليم الذي تديره حماس في " موجات غير مسبوقة" من الضربات الجوية في " اليوم الاكثر دموية " منذ سنوات.
رغم اشاره الخبر كانت واضحة الى ان اسرائيل تقوم برد فعل، لكن بدت رسالة الخبر وكأنها ترمي بأمانة الى كشف البون الشاسع بين الفعل ورد الفعل.
التقرير حرص على تفصيل ورواية مأساة الضحايا الفلسطينيين من مشاهدات تم نقلها بعناية مباشرة من على الارض:
" كانت هناك رؤوس بلا اجسادها... دماء في الاروقة، الناس كانوا ينتحبون النساء تبكي، الاطباء يصرخون " مشيرا الى " عدد غير محدد من المدنيين " واصابة بعض الصواريخ الاسرائيلية مناطق " ذات كثافة سكانية " ووصف ماسببته الغارات من رعب وارتباك فيما كان الاطفال يغادرون مدارسهم والنساء تتدافع الى الطرقات في حالة هياج بحثا عن ابنائهم.
روى المراسل حالة صاحب دكان الذي كان " يلطم وجهه و يعفر رأسه برماد مبنى مهدم" بعد أن فقد ابنه الذي ارسله ليبتاع له علبة سجائر.
وبالنسبة للقتلى من ضباط وعناصر الاجهزة الامنية فقد كانت " جثث اكثر من 12 شخصا بالزي الرسمي من شرطة حماس مطروحة على الارض... رجل وجهه مدمى جثم مغشيا عليه على الارض فيما كان اطلاق النار يشتعل في الجوار... "
اما عنصر الشرطة الذي كان يقوم بأداء الشهادة تحسبا لوفاة محتملة فقد وصفه الخبر كالتالي:
" احد الناجين رفع اصبعه في اشارة من الدين الاسلامي مؤديا صلاة " وهو في ذلك قد حرص على اظهار الطابع الديني لحركة حماس (حركة المقاومة الاسلامية ).
من جهة اخرى وبموازاة نقل المعاناة الفلسطينية، فقد تم وصف الحالة النفسية على الجانب الاسرائيلي بدقة ايضا ما امكن للتأكيد على ما يبدو على موضوعية التقرير: " عشرات من السكان المذهولين، بعضهم كان ينتحب، تجمعوا حول المنزل الذي تلقى ضربة الصاروخ المميتة. فجوة تشكلت في احد الجدران التي ارتسمت عليها علامات الشظايا... لكن التجمع انفض لدى دوي صفارة الانذار وشرع كل منهم بالجري. الشوارع كانت خالية تقريبا في سديروت البلده الواقعه على جانب الحدود الاسرائيلية والتي ضربتها الصواريخ بشدة. بعض السيارات التي حملت السكان المذعورين كانت تغادر البلدة عشرات من الناس انحشروا على قمة تلة لمشاهدة الهجمات الجوية الاسرائيلية "
بخلاف السي ان ان، لم يتم ذكر حماس بالاسم وانما " مسلحين فلسطينيين " لدى اشارة المراسل الى اطلاق الفلسطينيين للصواريخ على اسرائيل، ولم يعمم بل قال " اطلقت على اهداف اسرائيلية " ونسب ذلك الى " الجيش الاسرائيلي" .
قبل نقل تصريح الناطق الصحفي باسم البيت الابيض، اشار الخبر للدعوات الدولية الى " استعادة الهدوء " ودعوة الجامعة العربية لاجتماع طاريء " لمناقشة الوضع " وهي عبارة اتخذها المراسل فيما يبدو كحل وسط تجنب التعبير الذي اتخذه النص الاصلي (لبحث العدوان الاسرائيلي على غزة) واتخذ شكلا اكثر تعميما ومرونة من السي ان ان (لأجل مناقشة اتساع العنف ).
ما خص التصريحات الرسمية الاسرائيلية، فقد اكتفى التقرير باقتباس مقطتفات مقتضبة من تصريحات لوزير الدفاع ووزيره الخارجية الاسرائيليين والتي هددا عبرها عناصر حركة حماس وانذرا بتوسيع الهجوم .لكن ايضا حرص بموازاة ذلك بإبراز تهديد قادة حماس بالثأر وتأكيدهم على الاستعداد للقتال " حتى اخر نقطة دم".
الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فقد وصفه التقرير بالرئيس " المعتدل " لدى عرض موقفه الرسمي الذي ادان الهجوم الاسرائيلي، ولم يغفل الاشارة الى الضفه الغربية بأنها " تدار من قبل عباس " حين تطرق الى المظاهرات الفلسطينية فيها.
القسم الاخير من التقرير كان بصورة ما تكرارا لفقرته الاولى في التنويه الى الرابط بين الصواريخ الفلسطينية والهجوم الاسرائيلي " الغير مسبوق " على غزة التي " لم يحقق الانسحاب منها بعد 38 عاما من الاحتلال علاقات افضل مع الفلسطينيين، كما تمنى القادة الاسرائيليين " كما جاء في القسم الاخير من التقرير.
في الحروب حيث تكون الحقيقة هي المستهدف الرئيس، فإن سقوطها قد يطرح معه أنات وتأوهات ومعاناة مئات الضحايا من الحساب.. لدى الناس مقاربات مختلفة بخصوص كثير من نواحي الحياة، لكن هل ينسحب ذلك على كيفية الرواية الاعلامية للخبر ساعة وقوعه بما يترتب عنها من نتائج وأثر كبير في توجيه الرأي العام أو خداعه؟
لكن بالنتيجة، فإن تغطية الحدث ليست الا سطور في تاريخ ذلك الحدث.. فالتاريخ هو الحقائق، و بصورة عامة فإن المشتغلين بالاعلام والسياسة لا يتوخون دائما معرفة او ايصال الحقائق حيث تتهدد المصالح.
" الانفجار الاخير للعنف أثير من قبل حماس.. جماعة ارهابية مدعومة من قبل ايران وسوريا، والتي تدعو لتدمير اسرائيل... وقامت منذ ثمانية عشر شهرا بالاستيلاء على السلطة في غزة وخرقت الهدنة بشكل روتيني باطلاق الصواريخ على اسرائيل... في ردة فعل على هذه الهجمات، اطلق القادة الاسرائيليين عمليات عسكرية على مواقع حماس في غزة والتي تتحصن ضمن المدنيين الابرياء وتعرضهم للخطر..."
الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش، 2 يناير 2009.
" بمتابعة العروض الاخبارية سيتملكك الاعتقاد بأن التاريخ بدأ فقط في الأمس، حين واجهت حفنة من الملتحين المعادين للسامية القصاص المبرر من القوة الجوية الاسرائيلية.. لكن حقيقة بأن أجداد خمس شقيقات قتلن في مخيم جباليا قدموا إلى غزة في الاصل من الاراضي التي يقوم سكانها الحاليون بقصفهم حتى الموت، لا تظهر ببساطة في اي قصة... كم هو من السهل قضم تاريخ الفلسطينين، ومحو قصة مأساتهم، وتجاهل الحقيقة حول غزة والتي يفترض بالصحفيين في اي صراع اخر ان يعتمدوها في أولى تقاريرهم: أن الملاك الاصليين للاراضي التي تقوم حماس بقصفها يعيشون في غزة "
روبرت فيسك، الاندبندنت، 30 ديسمبر 2008.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق