جولة في أروقة الحزب الديمقراطي 3

وضاح الأبرش 2 ايلول 2008

التسعينيات: الديمقراطيون الجدد
في التسعينيات من القرن الماضي أعاد الحزب الديمقراطي إحياء نفسه، في جزء بالاتجاه نحو اليمين في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. سنة 1992 وللمرة الأولى منذ هزيمة جيمي كارتر قبل ست عشرة عاماً انتخبت الولايات المتحدة ديمقراطيا إلى البيت الابيض: حاكم ولاية أركنسو ويليام جيفرسون كلينتون، ومن الملفت أن كلينتون كان مثل كارتر حاكماً لولاية في الجنوب الأميركي.
تمثلت أبرز إنجازات كلينتون في إعادة وضع الديمقراطيين ضمن تيار الوسط الملتزم بإدارة اقتصادية فعالة . وبالفعل فقد حقق أبرز توسع اقتصادي في تاريخ الولايات المتحدة، وأصبح أول رئيس ديمقراطي يعاد انتخابه منذ فرانكلين روزفلت.
خلال رئاسة بيل كلينتون وللمرة الأولى منذ رئاسة كيندي لم تحمل الميزانية الفدرالية أي عجز، وشيدت أركان اقتصاد جبار شهد عائدات متزايدة عبر الخارج. في 1994 شهد الاقتصاد النسبة الأدنى من البطالة والتضخم في غضون خمس وعشرين سنة.. مع ذلك، فقد الديمقراطيون أغلبيتهم في كلا مجلسي الكونغرس عام 1994.
عندما حاول مجلس قيادة الحزب الديمقراطي حرف أجندة الحزب لمصلحة اتجاهات هي أكثر نحو الوسط، قام وجهاء الحزب من كلا فريقي الوسط والمحافظين بادعاء قيادة وتوجيه الحزب. شعر بعض الليبراليين والتحرريين بالغربة عن الحزب الديمقراطي الذي شعروا أنه أصبح غير معني بمصالح الناس العاديين وقضايا جناح اليسار بشكل عام. بعض الديمقراطيين تحدوا مثل تلك الانتقادات محاولين الايحاء بأن دور الحزب هو الدفع باتجاه الإصلاحات التحررية.

عامل نادر: المخرب
" نحن نريد أن نؤدب الديمقراطيين..نريد أن نتسبب بالأذى لهم، نجرحهم.."
طارق ميللرون، مستشار رالف نادر زعيم حزب الخضر

في حملة انتخابات سنة 2000 اختلف المرشح الديمقراطي ألبرت غور مع المرشح الجمهوري بوش على عدة قضايا منها الاجهاض، سياسات حيازة الأسلحة، قضايا البيئة، حقوق المثليين، الاقتطاعات الضريبية السياسة الخارجية، التعليم الحكومي، التسخين الحراري، التعيينات القضائية والتعيينات في الوظائف . مع ذلك.. فإن دمج غور بالرئيس كلينتون ومجلس قيادة الحزب الديمقراطي أفسح المجال لحزب الخضر الذي يتزعمه رالف نادر على وجه الخصوص ليشدد على أن كلا المرشحين متشابهين لدرجة كبيرة، وعلى وجه الخصوص في مجال التجارة الحرة، التخفيضات في الرعاية الاجتماعية والحكم بالاعدام.
وتالياً ولدى خسارة غور أمام بوش في نزاع إعادة الفرز فإن كثير من الديمقراطيين لاموا دور حزب نادر المخرب في خسارة غور ، أشاروا إلى حصول نادر على اصوات في فلوريدا ونيوهامبشر حرمت غور من اصوات المجمع الانتخابي في هاتين الولايتين.

الحرب على الارهاب
مع خسارة الوظائف وتزايد حالات الافلاس على طول المناطق والصناعات في 2001 و2002، فإن الديمقراطيين عموماً قادوا حملات لأجل قضية الإنعاش الاقتصادي. وبالنسبة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، فقد حالت الدفعة التي جناها بوش من إعلان "الحرب على الإرهاب" دون قدرة الديمقراطيين على استغلال الفضائح التي عانتها شركات أمريكية كبيرة مثل إفلاس شركة أنرون في يناير/ كانون الثاني عام 2002. وحين دفع ديمقراطيو الكونغرس لأجل إصلاح نظام محاسبة شركات الأعمال بقصد منع المزيد من الفساد المالي وهو ما قاد لقانون ساربانيز- أوكسلي، فقد تم ذلك باتفاق الحزبين. وفي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس نوفمبر 2002، ترجم الجمهوريون تزايد شعبية بوش في انتصار جمهوري لتتعزز أغلبيتهم في مجلس النواب ويحتفظوا بالسيطرة على مجلس الشيوخ، بعد أن ركزوا حملاتهم الانتخابية على ضعف الديمقراطيين في إدارة شؤون الأمن القومي الأمريكي الذين أبدوا مخاوفهم بشكل متزايد حول تبريرات ومنافع الحرب على الارهاب إضافة للتأثيرات المحلية التي تتضمن تهديدات للحقوق والحريات المدنية من قانون باتريوت.

الرهان على كيري
في انتخابات 2004 كان حاكم ولاية فيرمونت الاسبق هوارد دين المناؤيء للحرب والمنتقد للمؤسسة الديمقراطية المتسابق المتقدم في الانتخابات التمهيدية. تمتع دين بدعم هائل من الطبقات الشعبية وبشكل خاص من الجناح اليساري في الحزب. رغم ذلك، فقد تم ترشيح السناتور جون كيري عن مساتشوسس وهو وجه ينتمي للوسط تمتع بدعم ثقيل من مجلس قيادة الحزب الديمقراطي لأنهم رأوا فيه مرشحاً ذو قابلية أكثر للفوز من هوارد دين.
في تلك السنة خاض الديمقراطيون حملتهم على اساس انعاش مشاريع القضاء على البطالة، حل أزمة العراق ومحاربة الارهاب بشكل أكثر فاعلية.
هزم كيري أمام الرئيس جورج دبليو بوش. عدا الشك في طريقة احتساب الأصوات، فقد رأى معظم المحللين بأن تذبذبه تجاه عدد من القضايا المحورية جعل منه متسابقاً ضعيفاً وساهم في هزيمته. كيري كان غير مؤهل للموائمة بين دعمه بداية للحرب على العراق ومن ثم معارضته لها في سنة الانتخابات.
أو إدارة الانقسام في الحزب الديمقراطي بين أولئك الذين فضلوا وعارضوا الحرب.
وعندما قامت ولاية جون كيري – مساتشوسس بتشريع زواج مثليي الجنس انقسم حول القضية كل من الليبراليين والمحافظين الديمقراطيين والمستقلين. وفي الوقت الذي أعلن فيه كيري معارضته بوضوح لزواج مثليي الجنس، فقد أعلن تفضيله للاتحادات المدنية. استغل الجمهوريون قضية زواج المثليين بطرح التصويت عليها بناء على عرائض شعبية في إحدى عشرة ولاية ودفع أعداد هائلة من المحافظين للتصويت ضدها وفاز التصويت كما يفضل الجمهوريون في الولايات جميعها.

وإضافة للطبقة الوسطى البيضاء التي تشكل قاعدتهم، جذب الجمهوريون أغلبيات قوية ضمن المسيحيين الانجيليين الذين كانوا قبل الثمانينات على نطاق واسع غير مسيسين. الاستطلاعات في الانتخابات الرئاسية 2004 أظهرت بأن بوش يتفوق على كيري بنسبة 70 -30 % من بين بيض الجنوب الذين ألفوا 71% من الذين أدلوا بأصواتهم. كيري تفوق بنسبة 9-90% بين 18% من مصوتي الجنوب الذين هم سود، ثلث مصوتي الجنوب قالوا أنهم انجيليين وانهم صوتوا لبوش بنسبة 20-80%.
إضافة لما تقدم، فقد قام فريق معارض لكيري من محاربي فيتنام القدماء يدعى محاربي القارب السريع لأجل الحقيقة، بإضعاف شوكة استخدام كيري لماضيه العسكري كاستراتيجية حملة انتخابية.

زعامة هوارد دين
عقب انتخابات 2004 بدأ وجهاء الديمقراطيين بإعادة التفكير في الاتجاه الذي يتعين على الحزب سلوكه. وتم طرح عدة استراتيجيات للتحرك إلى الأمام، بعض الديمقراطيين اقترحوا التحرك باتجاه اليمين لإحراز المقاعد في مجلسي الكونغرس وربما تحقيق الفوز في انتخابات 2008، طالب الآخرون بأن يتحرك الحزب أكثر نحو اليسار وأن يصبح حزب معارضة أقوى. أحد مواضيع المناقشة كان سياسات الحزب ما يتعلق بحقوق تنظيم الإنجاب والصحة الانجابية، إعادة التفكير في موقع الحزب من التحكم بالأسلحة أصبح موضوعاً للنقاش وتم طرحه من قبل هوارد دين وبيل ريشاردسون وبريان شويتزر وديمقراطيين آخرين ممن فازوا بحاكمية ولايات حيث التعديل الثاني للحقوق الذي يحمي حقوق الأفراد بحيازة وحمل السلاح يعتير مهماً بالنسبة لكثير من المقترعين. عدا عن الحاجة للعودة لخوض الحملات بناء على السياسات الاقتصادية المعنية بالطبقات الشعبية .

هذه المناظرات انعكست في الحملة عام 2005 لنيل رئاسة اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي والتي فاز فيها هوارد دين متخطياً معارضة الكثير من متنفذي الحزب. دين سعى ليحرك الاستراتيجية الديمقراطية بعيداً عن المؤسسة التقليدية وحشد الدعم للمنظمة الحزبية على مستوى الولايات حتى الحمر (الجمهورية) منها.

لدى انعقاد الكونجرس ال109 أوائل 2005 حاول السناتور هاري ريد الرئيس الجديد للأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ إقناع أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين للتصويت كجبهة واحدة ما خص القضايا الأساسية وأرغم الجمهوريين للعزوف عن دفعهم لتخصيص الأمن الاجتماعي OASDI ( البرنامج الفدرالي للضمان المتعلق بالناجين من الحروب والمعاقين وكبار السن) .
ومع الفضائح التي تورط بها ناشط اللوبي جاك أبراموف مع عدد من السياسيين البارزين المنتمين للحزب الجمهوري، استخدم الديمقراطيون شعار ثقافة الفساد ضد الجمهوريين خلال حملة 2006.
ونتيجة لانتخابات 2006 النصفية حاز الديمقراطيون على الأغلبية على صعيد الكونغرس وعلى صعيد حاكمية الولايات. نصر الديمقراطيين الانتخابي نسب من قبل البعض للتسابق بين مرشحين ديمقراطيين ميالين للاتجاه المحافظ ضد مرشحين جمهوريين ضعفاء بينما زعم اخرون بأن خوض السباق من قبل مرشحين ليبراليين ممن تقربوا للطبقات الشعبية، كان مصدر النجاح.
الأعوام الاثني عشر التي قضاها الحزب الديمقراطي كأقلية في الكونغرس تميزت بتحكم الجناح المحافظ في الحزب ونصر 2006 أتى كإعلان يقظة التيار الليبرالي الذي أعاد نفسه إلى الواجهة بعدما تم التمهيد لذلك وبشكل أكثر وضوحاً لدى انتخاب هوارد دين كرئيس للجنة الوطنية للحزب في العام الذي سبقه.. حيث كان أول من يشغل رئاسة اللجنة منذ 1994 دون أن يكون عضواً سابقاً فيها، على أي حال فقد أظهرت الاستطلاعات بأن الفساد كان قضية مفتاح بالنسبة للكثير من المقترعين.. كما كان الأمر في 1976.

" أعتقد بأن رونالد ريغان قد غيًر مسار أميركا بأسلوب لم يقم به ريشارد نيكسون وبطريقة لم يسلكها بيل كلينتون. لقد وضعنا على طريق مؤسس مختلف و كانت البلاد مستعدة لذلك الدرب، أعتقد أن الكيل كان قد طفح بهم جراء الستينيات والسبعينيات حين أخذت الحكومة تكبر وتنمو دون أن يكون هناك أي اكتراث بتقييم الطريقة التي كانت وفقها تدير مسؤولياتها. أعتقد بأنه أنصت إلى ما كان الناس يشعرون به في الحقيقة وبأنهم أرادوا الشفافية والتفاؤل، العودة إلى الإدراك المبني على اسس عملية واقعية، والشراكة في الابتكار "
السناتور باراك اوباما، في حديث إلى رينو غازيت جورنال، يناير 2008

حين وصل باراك أوباما إلى برلين أواخر تموز الماضي، سار الرجل في ظل كل من جون كيندي ورونالد ريغان الذين سبقاه إلى نفس البقعة في 1963 و1987. وعلى الرغم من أن كنيدي شكل على الدوام المقارنة الواضحة والسهلة بحكم الحزب والسن، إلا أن أوباما أدرك تماما المقارنات بينه وبين ريغان أيضا. وفيما اجتمع رجال الصحافة والإعلام ومئات الآلاف غيرهم للاستماع إلى خطاب المرشح الديموقراطي حين ترددت أصداء كلماته على طول الطريق الطويل الموصل إلى بوابة براندنبيرغ فقد أعاد ذلك الصدى إيقاع وعد ريغان بأن يغير العالم: " السيد غورباتشوف، إفتح هذا الباب. السيد غورباتشوف، حطم هذا الجدار". في ذلك الوقت، شعر بعض مساعدي ريغان بالإحراج لعبارة ريغان "حطم هذا الجدار"، إذ اعتقدوا أنها تنطوي على بعض الاستفزاز أو تعالي العظمة. ولكن ريغان كان يفهم صناعة المسرح، انهيار الجدار بعد ذلك الخطاب بسنتين ونصف جعل كلماته تبدو كأنها تنم عن نبوءة. وكان ذلك هو المسرح الذي أراده ريغان هو التاريخ، وليس بالضرورة ما ستقوله الصحف في اليوم التالي.وهذه هي أيضا الصورة التي سعى أوباما إلى عرضها: صورة القائد الذي يفهم قوة دفع التاريخ. فهو لم يحج إلى برلين كرئيس، بل لكي يبدو رئاسيا.. ولم يأت لكي يصنع السياسة، بل للإشارة إلى أنه لو انتخب فإنه يحوز ثقة الأوروبيين لفعل ذلك. لقد جاء لإقناع جمهور أكبر، جمهور عالمي، بأنه في حقيقة الأمر شخصية محوّلة: شخصية ريغانية بهذا المعنى.
يعتقد كثير من المراقبين بأن نتيجة انتخابات نوفمبر الرئاسية القادمة قد تعتمد على ما ستكون عليه الإجابة عن سؤال واحد: من هو المرشح الرئاسي الذي ستكون له الغلبة بين ديموقراطيي ريغان؟ فأولئك الناخبون الديموقراطيون تقليديا صنعوا التاريخ واشتقوا لأنفسهم مكانا في المصطلح السياسي الأمريكي عام 1980 عندما انشقوا عن صفوف حزبهم التي عانى من الضعف والتشتت والفوضى وتسببوا في رفع أعداد الناخبين المصوتين لمصلحة المرشح الجمهوري آنذاك رونالد ريغان. ولكن حتى وقت قريب، لم يلق سوى عدد قليل جدا من المؤرخين اليساريي الميول نظرة جدية على ظاهرة ريغان هذه. ولكن هذا بدأ يتغير أخيرا مع نشر كتاب شين ويلينتز(عصر ريغان) والذي جادل فيه بأن الليبرالية غير المنتجة لسنين كارتر شكلت دفعاً باتجاه سياسة محافظة جديدة مستقاة من أسلوب وفلسفة ريغان، وأنه حتى بيل كلينتون قدم نفسه بشكل غير مباشر متأثراص بالقيم الريغانية حين كرس نفسه على أنه ديموقراطي جديد في المركز بتحريك حزبه نحو اليمين باتجاه الوسط.
في كل الأحوال، لا تبدو مقارنة أوباما بريغان مستقاة من تماثل في السياسات بقدر ما تعكس مثال التغيير الذي يجسده أوباما كما قدمه رونالد ريغان ومن قبله جون كيندي. صحيفة رينو غازيت قالت بأنه من الواضح بأن أسلوب أوباما الكارزمي وتفاؤله الفلسفي هو غاية في المثالية، لكنه أيضاً أثبت شجاعته للوقوف على أرض صلبة حيثما تقتضي الضرورة مبدياً احترامه لكل من جون كينيدي ورونالد ريغان الذين كانوا وكلاء للتغيير في الأوقات التي أرادت فيها البلاد ذلك التغيير. ومن هنا لا يمكن أن نقول بسذاجة أن أوباما من ديمقراطيي ريغان، فهو لا يتمتع بالشعبية فقط بين الديموقراطيين، بل وأيضاً كثير من الجمهوريين.. ومن هنا يتعين علينا بأن نتوقع بروز مصطلح جديد خاص بحالة أوباما الفريدة من نوعها.

" بشكل جماعي خضنا الحملات.. عملنا لأجل الجمهوريين طول حياتنا، لكن آمنا بأن بلادنا تحتاج إلى صنف جديد من القادة في هذا الزمن. وفي الوقت الذي توجد فيه كثير من القضايا التي يختلف حولها الأميركيون فهناك قضايا أخرى لا يمكن أن تكون موضع جدال: ازدهارنا الاقتصادي ومكانتنا العالمية. لقد رفض السناتور أوباما سياسات الفرز والتقسيم ومبدأ الفوز مهما كان الثمن والتي أعاقت تقدمنا للأمام كأمة. وفي الوقت الذي لا نرى فيه كجمهوريين الأمور بذات العين التي للرئيس أوباما، فإننا نعلم بأن سياساته التي تعتمد الملائمة وتتوخى الوحدة سوف تقود نحو أميركا أقوى.."
جمهوريون لأجل أوباما

جمهوريون لأجل أوباما هي منظمة لذوي المنابت الشعبية من الأعضاء المخلصين للحزب الجمهوري الذين يتشاركون في نظرة واحدة بأننا كلنا أميركيون أولاً وجمهوريون ثانياً. (حتى لو كانت ثانياً في غاية القرب هنا لأولاً) تم تأسيس هذه المنظمة في 2006 كجزء من جهود تمت عبر البلاد لتشجيع السناتور أوباما لخوض سباق الرئاسة، المتطوعون تألفوا من الجماعات التي تضم الطبقات الشعبية والتي شملت حتى الآن أكثر من ألفي عضو مسجل على طول البلاد.
إريك باترسون، أحد المسؤولين السابقين في هذه المنظمة والذي كان جمهورياً محافظاً في كل سنوات عمره يصوت دائماً على طول الخط مع الحزب الجمهوري، إلى أن بدأ فعلياً بالإنصات بما لدى السناتور أوباما كي يقوله. كانت المرة الأولى التي سمع فيها إريك السناتور أوباما كان خلال مناظرته في مجلس الشيوخ مع السناتور الجمهوري آلان كييز، وبعدها حين ألقى خطاباً في مؤتمر الحزب 2004. وهو يقول بانه كلما استمع إلى أوباما أكثر كلما استحسن توجهاته بشكل أكبر. وبعد قراءة كتبه ترسخ اعتقاد إريك بأن أوباما هو ما تحتاج أميركا وجوده في البيت الأبيض.

ما حقيقة الانجذاب الجمهوري إلى أوباما؟
أحد الأسباب الرئيسة ربما يكمن في مبدأ عدوعدوي صديقي، وعلى هذا الاساس وقف بعض الجمهوريون إلى صف أوباما لتضاده مع ثنائي كلينتون- بيل وهيلاري الذين يحمل لهم الكثير من الجمهوريين الضغينة وينظرون اليهم بازدراء واحتقار. المحافظون تكون لديهم اعتقاد طويل الأمد بأن ثنائي كلينتون كانا على الدوام بلا مباديء مستعدون لتدمير أولئك الذين يقفون بينهم وبين الحصول على السلطة، سواء أكانوا مناوئين سياسيين او نساء من ماضي بيل كلينتون أو مستشارين.
سبب آخر يرجع إلى النبرة العاطفية المرتفعة لفصاحته، الممزوجة بجاذبيته الفطرية وشبابه.
وفق جميع الحسابات، يقف أوباما على أرضية صلبة من الثقة والاحترام بعدما ظهر فجأة بشخصه وأسلوبه الغير فئوي. لقد أبدى استعدادا غير قابل للجدل للسمو فوق السياسات، وحتى حين لا يتفق معه البعض فهو يبدو مقبولاً بالنسبة لهم.
الكاتب الفرنسي ألبير كامو سطر في روايته السقوط والتي نشرت عام 1956 :
" أنت تعلم ما هو سحر الشخصية.. هو أن يكون هناك أسلوب في الحصول على الايجاب دون توجيه أي سؤال واضح "
باراك أوباما لديه مثل ذلك السحر و ومن هنا فإن جاذبيته لا تقتصر على الديموقراطيين.
السبب الثالث لجاذبية أوباما أنه يبدو أكثر من اي وجه آخر في اميركا، قادراً على المساعدة في أن يعصب الجروح العرقية العنصرية لأميركا. وفي الوقت الذي ميزت فيه سياسات الحنق والغضب اليسار الأميركي خلال السنين الثماني الماضية فان أي نصر أولي لأوباما شكل نقلة مهمة بعيداً عن تلك السياسات حيث أنه
قدم وبخلاف المرشحين الديموقراطيين الآخرين هيلاري كلينتون وجون ادواردز، رسالة تتضمن في حقيقتها الوحدة والأمل أكثر من الانقسام والنقمة.. في حملته المصابة بعمى الألوان!

" لاستبدال استراتيجية التقسيم بلم الشمل، لبناء ائتلاف للتغيير يتمدد عبر الولايات الحمر والولايات الزرق...لأجل ذلك سوف نفوز، لأننا لسنا تجمع من الولايات الحمراء والولايات الزرقاء، نحن الولايات المتحدة الأميركية.. وفي هذه اللحظة، في هذه الانتخابات، نحن مستعدون لنؤمن من جديد..."
باراك أوباما، خطاب النصر في الانتخابات التمهيدية لولاية أيوا 4 كانون الثاني من هذا العام

على الرغم من أن كلا الحزبين السياسيين (والكثير من الأحزاب الصغيرة) تستعمل الألوان التقليدية الأميركية الأحمر، الأبيض والأزرق في إعلاناتهم الدعائية ومناسباتهم، إلا أنه منذ ليلة الانتخابات عام 2000 أصبح اللون الأزرق هو اللون المعرف للحزب الديمقراطي بينما اللون الأحمر أصبح اللون الذي يشير للحزب الجمهوري. في تلك الليلة وللمرة الأولى، استعملت كل محطات التلفزة الرئيسة نفس توزيع الألوان في الخريطة الانتخابية: الولايات الزرقاء للمرشح الديمقراطي نائب الرئيس ألبرت غور والولايات الحمراء للمرشح الجمهوري حاكم ولاية تكساس جورج بوش، منذ ذلك الحين، استخدم اللون الأزرق على نطاق واسع من قبل وسائل الاعلام لكي يمثل الحزب مسبباً ارتباكاً أكبر للمراقبين خارج الولايات المتحدة. على اعتبار أن الأزرق هو اللون التقليدي لليمين والأحمر هو ما درج اليسار على التوشح به خارج الولايات المتحدة: حيث نجد في كندا أن الليبراليين (يسار) اتخذوا الأحمر وأن المحافظين(يمين) قاموا بانتقاء الأزرق. كما أنه في المملكة المتحدة انتقى العمال اللون الأحمر والمحافظين اللون الأزرق.
الأزرق تم استخدامه أيضاً من قبل أنصار الحزب في النشاطات الدعائية: اشتري الأزرق، تمويل أزرق، ومن قبل الحزب نفسه الذي كشف الستار عام 2006 عن برنامج ( من الأحمر نحو الأزرق) ليدعم المرشحين الديمقراطيين في سباقهم ضد الجمهوريين الممسكين بزمام السلطة في الانتخابات النصفية لمجلس النواب لعام 2006.

" لقد حان الوقت لكي نستبدل شعار الحزب الديمقراطي من حمار إلى ابن عرس، أنا اقترح ابن عرس يحمل علماً أبيض ويضع دثاراً على الركب.. الحزب الديمقراطي الذي ثنى ركبه منحنياً رافعاً راية بيضاء مستسلماً لاكثر رغبات بوش وتشيني حماسة.."

الكاتب الأميركي ورجل القانون كارل ج. مايـر منتقداً موافقة الديموقراطيين في تموز الماضي على تحصين شركات الهاتف الكبرى وادارة بوش من اي تبعات قانونية للتنصت على المواطنين الأميركيين.

الشعار الجالب للحظ الاكثر شيوعا لدى الحزب الديموقراطي هو الحمار. تبعا للجنة الوطنية للحزب فان الحزب بحد ذاته لم يقم رسميا بتبني هذا الشعار لكنه فقط قام باستثماره. هل تذكرون انتخابات 1828 حين استثمر الرئيس جاكسون وصف مناوئيه له بأنه حمار واستخدم رسم الحمار في ملصقات حملته الانتخابية؟ ومن ثم كيف صورته رسومات كاريكاتورية خلال رئاسته الثانية بالحمار في إشارة لعناده المستميت في التصدي للترخيص لبنك وطني؟ في جميع تلك المناسبات صور الحمار الرئيس جاكسون نفسه ولم يصور الحزب، وحين صوره رسم كاريكاتوري نشر عام 1837 بعد تقاعده وهو يقود ويوجه حماراً فقد كانت تلك المرة الأولى التي جسد فيها الحمار الحزب الديموقراطي وليس شخص الرئيس. إلا أن ذلك التجسيد ظل حتى ذلك الوقت مقترناً بجاكسون نفسه، إلى أن جاء عام 1870 ليحمل معه رسم كاريكاتور آخر قدمه توماس ناست في أسبوعية هاربرز لحمار يركل وحشاً ميتاً في الغابة. مثل الحمار كما كتب عليه الصحافة (السامة) المناصرة للحزب الديموقراطي وهو يرفس حيوانا مفترسا وقد فارق الحياة في إشارة إلى وزير الحرب ادوين ستانتون والذي كان متوفى حديثاً. خلفية الغابة كانت عبارة عن النسر الأميركي الأصلع شعار الولايات المتحدة يراقب المشهد بصمت من على تل منخفض، إضافة لمبنى الكونغرس ينتصب عليه العلم الأميركي. كان كاريكاتوراً أميركياً بامتياز وقد أحيا ورسخ بالتالي رمز الحمار كشعار للحزب الديمقراطي على المستوى الوطني.
في 1880 كان الحمار قد أسس بشكل جيد كرمز للحزب الديمقراطي ، كارتون عن حملة الرئيس غارفيلد-هانكوك في نيويورك ديلي اظهر المرشح الديمقراطي يرتاد حمار يقود موكب من الغزاة..

بالمقابل، فعلى الرغم من أنه تم ربط الفيل بالحزب الجمهوري في الرسومات التي ظهرت في 1860 و1872 إلا أن توماس ناست هو من قام بالصاق هذا الحيوان بالحزب الجمهوري كرمز في كاريكاتور له في اسبوعية هاربر سنة 1874 . وقد عنون ناست رسمه كالتالي: " رعب فترة الحكم الثالثة" أظهر فيه مجموعة حيوانات تمثل عدة قضايا تركض هاربة من حمار يرتدي جلد حيوان مفترس كتب عليه ( القيصرية) وقد دمغ الفيل بعبارة (الصوت الجمهوري) وكان يركض باتجاه حفرة تتضمن مسميات لقضايا مثل التضخم الفوضى، رفض الاعتراف...الخ

عبر مر السنين، أصبح كل من الحمار والفيل الرمزان المقبولان للحزبين، على الرغم من ان الديمقراطيين لم يتبنوا أبدا بشكل رسمي الحمار كرمز للحزب إلا أن الجمهوريين تبنوا الفيل فعلياً كرمزهم الرسمي واستعملوا تصميمه على نطاق واسع.
الديمقراطيين يرون الفيل على أنه يعمل بعبث دون إتقان، غبي، متعجرف ومحافظ. لكن الجمهوريين يرونه جدير بالاحترام قوي وذكي. من الناحية الأخرى، يرى الجمهوريون الحمار على انه عنيد سخيف ومثير للسخرية. لكن الديمقراطيون يزعمون أنه متواضع بسيط غير متكلف ذكي شجاع ومحبب!
أدلاي ستيفنسون قدم أحد اكثر التوصيفات ذكاء لرمز الحزب الجمهوري حين قال: " الفيل لديه جلد سميك.. رأس مليء بالعاج وكما يعرف كل من رأى موكب سيرك، فهو يتقدم بأفضل ما لديه عبر التقاط ذيل سلفه "

على المستوى المحلي.. كان الديك هو الرمز التقليدي للحزب الديمقراطي في ولايات الغرب الأوسط الأميركي مثل إنديانا كنتاكي وأوكلاهوما وأوهايو منذ أوائل القرن العشرين، مقابل النسر للجمهوريين. وهذاالشعار لا يزال ظاهراً على صناديق اقتراع أوكلاهوما كنتاكي وإنديانا. أما ديمقراطيو ولاية ميسوري فقد استخدموا تمثال الحرية الذي كان الشعار الوطني للحزب الليبرالي شعاراً لصناديق اقتراعهم، فيما استخدم الحزب الليبرالي البغل الحيوان الرسمي للولاية. وفي كثير من الأحيان ساد الارتباك بين المقترعين، لأن البطاقة الانتخابية للحزب الديمقراطي في ميسوري كانت ممهورة بعلامة تمثال الحرية فيما بدا الحزب الليبرالي وكأنه يستعمل رمز الحمار.

ماذا بقي من جولتنا؟ يوم جيفرسون-جاكسون هو يوم حدث العشاء السنوي المخصص لجمع الموارد المالية للحزب والذي ينظم من قبل منظمات الحزب الديمقراطي على مستوى الولايات المتحدة بأسرها. سمي ذلك اليوم بهذا الاسم نسبة للرئيسين جيفرسون وجاكسون الذين يعتبرهم الحزب قادته المبكرين البارزين. تعقد هذه المناسبة سنوياً خلال شهر شباط أو آذار.

أغنية ( الأيام الفرحة هنا مجدداً ) أضحت الأغنية غير الرسمية للحزب الديمقراطي، بعدما استخدمت بشكل ملفت لدى ترشح فرانكلين ديلانو روزفلت للرئاسة في مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 1932 لتبقى الأغنية المفضلة المثيرة للمشاعر لدى الديمقراطيين حتى اليوم. وحديثاً، أصبحت الاغنية العاطفية المشابهة (يوم جميل) لفرقة يو تو الأغنية الرئيسة المفضلة للمرشحين الديمقراطيين. وقد استخدمها السناتور جون كيري خلال حملته الانتخابية في محاولة الفوز بالرئاسة عام 2004 واستخدمت كلحن احتفالي من قبل الكثيرين من مرشحي الكونغرس الديمقراطيين عام 2006 :

" أنت اعتقدت أنك وجدت صديقاً ليأخذك بعيداً عن هذا المكان.. أحدهم يمد لك يد العون ليرد لك الفضل، إنه يوم جميل.. لا تدعه يفوتك.."

ليست هناك تعليقات: