إدارة الازمات الدولية: نموذج برلين1961 (1)

وضاح الأبرش 10 ديسمبر 2008

" ... في المكان الذي انتهت فيه آخر حرب عالمية، حرب أخرى كان من الممكن بسهولة أن تبدأ. لقد تحملت برلين كل ذلك، في الساعات الأكثر حلكة حافظ شعب برلين على شعلة الأمل موقدة، رفضوا التنازل... يا شعوب العالم انظروا الى برلين! انظروا الى برلين، حيث ثقوب الرصاص في المباني والاعمدة والاحجار الشاحبة قرب بوابة براندنبرغ، تؤكد على أننا لا يمكن أن ننسى الانسانية التي تجمعنا. "
باراك اوباما، برلين 24 تموز 2008

" حين التقى كينيدي مع خروتشوف، كنا على شفير حرب نووية "
باراك أوباما، 17 أيار 2008

شهد العام 1961 أحدى أهم محطات التوتر في الحرب الباردة. حيث كانت العاصمة الالمانية برلين ساحة تأزم بالغ السخونة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، أوشك خلاله صراع الارادات على تحويل برودة شتاء ذلك العام الى قيظ حارق. وعلى الرغم مما تم التعارف عليه بتحديد البداية الرسمية للأزمة في 4 حزيران 1961، حين جدد رئيس الوزراء السوفييتي نيكيتا خروتشوف انذاره بتوقيع معاهدة سلام منفصلة مع حكومة والتر اولبرخت الالمانية الشرقية تنكر حقوق الحلفاء الغربيين في الوصول الى برلين، محددا 31 ديسمبر من ذلك العام مهلة لذلك في اختبار للرئيس الاميركي الجديد جون كينيدي، الا ان جذور الازمة تعود إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.

فمع ارتجاف الألمان أطلق ستالين هجوماً مفاجئاً وشاملاً على برلين بدأ في الثالث والعشرين من نيسان 1945، ذلك أن برلين كانت الغنيمة الأساسية التي لا يريد أن يتقاسمها مع حلفائه في الغرب. لكنه اجتمع في الثاني من تموز مع الرئيس الأميركي هاري ترومان ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل في بوتسدام لمناقشة مستقبل أوروبا، وكان من نتائج هذا الاجتماع منح الاتحاد السوفييتي نصف ألمانيا، حيث قسّم النصف الآخر الواقع من جهة الغرب إلى 3 قطاعات كان أكبرها ذلك الذي كان من نصيب الولايات المتحدة.

لكن برلين عاصمة ألمانيا والتي تقع في عمق المنطقة السوفييتية فقد قسمت أيضاً إلى أربعة قطاعات: واحد من نصيب روسيا عرف ببرلين الشرقية والقطاعات الثلاثة الأخرى التي كانت من نصيب كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا أصبحت تعرف ببرلين الغربية.

وهكذا فقد أصبحت الرأسمالية والشيوعية تواجه كل منهما الأخرى دون أن يفصل بينهما إلا إشارات السير والتوجيهات، وبينما كانت برلين الغربية تنبض بالحيوية؛ فقد بدا القطاع السوفييتي كئيباً وموحشاً. فقد تحولت برلين الشرقية إلى ما يشبه السجن الكبير تعلوها الألوان الباهتة برغم محاولات السوفييت جعلها معرضاً للإنجازات الشيوعية، أما على الجهة الأخرى فقد كانت برلين الغربية بمثابة حصن للديمقراطية داخل ألمانيا الشرقية الشيوعية، وكانت تزدهر دون أن يتمكن الشيوعيون من إبعاد مغريات الحياة البارزة عنها.

بعد تجسّد واقع الوجود السوفييتي على الأرض، فر آلاف الألمان من سكان برلين الشرقية على أقدامهم بعد أن حرموا من الكماليات. عام 1948 أصبحت ألمانيا الشرقية على وشك الانهيار، فقد أخذ مئات الآلاف من الألمان الشرقيين يسعون للحرية غالبيتهم عن طريق برلين.

سارع ستالين لوقف النزف البشري في حزيران، فأمر دباباته بمحاصرة غرب برلين وقطع خطوط سكك الحديد المؤدية إلى المدينة، وتم إقفال الشوارع وتدمير أنابيب المياه ومحولات الكهرباء وأسلاكها، وأصبحت المدينة تحت الحصار التام، وأصبح سكانها المليونان أشبه بالرهائن.

أقيم جسر جوي من البلدان الغربية للإنقاذ، فكانت الطائرات الأميركية والبريطانية تحط في مطار المدينة الصغير وهي محملة بكل متطلبات الحياة برغم أنف السوفيات، وتخرج المرضى والأطفال.
على الرغم من قبول ستالين رفع الحصار في أيار 1949، الا ان برلين بقيت مع ذلك منطقة ساخنة في الحرب الباردة؛ ففي السابع عشر من حزيران 1953 بعث السوفييت بالدبابات لقمع التمرد الذي قام به العمال ضد الحكومة الألمانية الشرقية، حيث طاولت الاضطرابات السفارة الروسية في برلين الشرقية وقتل أكثر من عشرين شخصاً وجرح قرابة المئتين. توقفت الدبابات في ذلك الوقت على حدود المنطقة الأميركية وبقيت هناك موجهة فوهاتها إلى الداخل إلى أن تمت تهدئة الوضع.

لقد وضع اتفاق بوتسدام حدوداً واهية بين القطاعات الغربية والقطـاع الشرقي من برلين، وبالتالي كان هشاً ومعرضاً للانهيار تحت وطأة الاضطرابات المتلاحقة، ورغم كونه اتفاق دولي قام بين ثلاثة دول إلا أنه لم ينشيء حدوداً بالشكل التقليدي للحدود بما خص برلين. لقد كانت برلين تبدو كمدينة تضم أحياءاً فقيرة وأخرى غنية، وبفتح الأحياء الفقيرة أمام بقية ألمانيا الشرقية فقد كانت الحصة السوفييتية من التقسيم الذي طال ألمانيا عرضة للتهديد المستمر.

عملياً، كان اتفاق بوتسدام غير مطبق وكان السوفيات يريدون تكريسه بأي طريق ممكن للحفاظ على حقوقهم ومصالحهم المعرضة للانهيار في ألمانيا، إن الانهيار قد يأتي من استمرار تدفق الألمان الشرقيين من خلال المعابر من برلين الشرقية إلى برلين الغربية، وهي هجرة تضم مهنيين وشباباً مدربين مهرة. وكانت أحاديث القيادة السياسية في ألمانيا الغربية مثيـرة للغضب، وقد نقل جواسيس السوفييت أنهم رأوا طيارين ألمان في طائرات تحمل أسلحة نووية أميركية.

لقد كان الاتحاد السوفييتي دفاعياً وخائفاً من الغرب الذي كان قد غزا دورياً الأراضي الروسية، ولكن بالنسبة للحلفاء الغربيين فإن وحشية الهيمنة السوفييتية في أوروبا الشرقية غطت على أي تمييز بين النوايا الدفاعية أو الهجومية. لكن برلين أصبحت عظمة في حلق الروس تماماً مثل كوبا في حلق الأميركيين، ومن هنا فقد بدا موقف خروتشوف خليفة ستالين حول برلين تصادمياً، وهدد في نوفمبر 1958 بتوقيع معاهدة سلام منفصلة مع ألمانيا الشرقية ما لم يعطه الغرب بديلاً أكثر أمناً، مقترحاً تحويل برلين إلى مدينة دولية بحيث ترفع سيطرة الحلفاء الأربعة عليها وألا تتمتع بحماية القوات الغربية.

إن خطة خروتشوف لجعل برلين الغربية مدينة حرة تحت إشراف الأمم المتحدة ومنع الألمان الشرقيين من الخروج عبرها، ستقطع روابط الحماية مع الحلفاء؛ وهي لن تخرج عملياً عن نطاق السيطرة السوفييتية. فألمانيا الشرقية التي تضم برلين، ستبقى داخل النفوذ السوفييتي.

لقد كانت تهديدات خروتشوف متناسبة مع كل شيء كرهه الحلفاء في السياسة السوفييتية الخارجية، خصوصا حين حاول الزعيم السوفييتي أن يضع الحلفاء في موقف دفاعي واصفاً برلين بأنها : " خصية الغرب، عندما أريد أن أجعل الغرب يصيح فإني أقرص في برلين".

في 1959 أخفق مؤتمر جمع وزراء خارجية روسيا واميركا وفرنسا وبريطانيا في التوصل الى أي اتفاق ومهد ذلك لزيارة خروتشوف الى الولايات المتحدة في سبتمبر من ذلك العام ولقائه الرئيس دوايت أيزنهاور ليتبادل معه وجهات النظر بصراحة ووضوح عن قرب لعدة ايام في منتجع كامب ديفيد في ميريلاند. في نهاية الزيارة، أكد كل من خروتشوف وايزنهاور على ان اهم القضايا ذات الاهتمام المشترك هي نزع السلاح ومشكلة برلين، وعلى وجوب حل جميع المسائل الدولية ليس بطريق القوة وانما بالوسائل السلمية من خلال المفاوضات. خرج خروتشوف من زيارته بانطباع مفاده ان تسوية حول برلين هي في حيز الامكان ولذلك فقد اتفق مع ايزنهاور على استمرار الحوار بقمة تعقد في باريس ربيع 1960.

في السادس عشر من أيار 1960، عقدت قمة باريس بين الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور ورئيس الوزراء السوفييتي نيكيتا خروتشوف. حاول الأخير استغلال حادثة إسقاط طائرة يو2 الأميركية للتجسس فوق الأراضي السوفييتية في الأول من ذلك الشهر للضغط على أيزنهاور لإجبار الغرب على الانسحاب من برلين، كما أراد من أيزنهاور أن يعتذر رسمياً ويعاقب المسؤولين؛ فكان أن رفض أيزنهاور وألغى خروتشوف القمة.

تسارع تصاعد الوضع باتجاه التأزم حول برلين، فقد عادت تصريحات القيادة السياسية في ألمانيا الغربية لتثير الاستفزاز من جديد، كما ناقشت الصحف المتطرفة علانية خطط التدخل العسكري المباشر على أراضي ألمانيا الشرقية، وأنشأت برلين الغربية أكثر من 80 مركزاً تخريبياً من الوحدات الغربية الخاصة، لإضعاف اقتصاد ألمانيا الشرقية وإرسال الجواسيس والمخربين إلى هناك، واستخدمت الحدود المفتوحة بين برلين الشرقية وبرلين الغربية بشكل خاص في هذا الإطار. عام 1961 بلغ عدد الألمان الشرقيين الذين كانوا يعبرون إلى برلين الغربية 4 آلاف شخص أسبوعياً، وتدهورت الأوضاع باتجاه الخطورة بشكل متسارع وقد تزايد إصرار خروتشوف على حل المشكلة الألمانية حتى ولو أشعل ذلك الحرب الباردة.

وبعيدا عن برلين، فقد كان هناك ما يغضب خروتشوف ويجعله متوتراً بشدة تجاه الولايات المتحدة، فقد كان يدرك تماماً حقيقة التفوق الأميركي على الاتحاد السوفييتي في مجال الصواريخ، وكان الأميركيون مدركين لذلك أيضاً فقد كانت تصلهم المعلومات بانتظام من خلال طلعات التجسس فوق أراضي الاتحاد السوفييتي عدا العملاء والجواسيس الذين جندوا داخل الاتحاد السوفييتي نفسه، لذلك فعندما حاول خروتشوف إخافة الأميركيين بقوله أن الاتحاد السوفييتي قادر على صناعة الصواريخ وكأنها أصابع نقانق وأنه مستعد لاستعمالها فقد كان مخفقاً في ذلك ولم يأخذه الغرب بمحمل الجد.
كما كانت للولايات المتحدة ميزة جغرافية من حيث بعد أراضيها عن الاتحاد السوفييتي ووضعها صواريخها على مقربة منه في الدول الحليفة: تركيا، إيطاليا وبريطانيا. وكان خروتشوف بذلك تواقاً لمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وكانت برلين هي الساحة التي سيتواجه فيها الأميركيين والسوفييت وجهاً لوجه، حيث سيكون صراع الإرادات على المحك.

" الرئيس كينيدي ورئيس الوزراء خروتشوف سيلتقيان للمرة الاولى في فيينا في الثالث والرابع من حزيران. السيد كينيدي سيتوجه الى النمسا مباشرة عقب محادثات لمدة ثلاثة ايام مع الرئيس ديغول في باريس ورئيس الوزراء ماكميلان في لندن..."
نيويورك تايمز، 20 أيار 1961

اقترح الزعيم السوفييتي نيكينا خروتشوف الاجتماع بالرئيس الجديد للولايات المتحدة جون كينيدي ظاهرياً لدعم السلام، لكن الهدف الأساسي من اجتماع القمة كان بحث مستقبل ألمانيا.

بالنسبة لخروتشوف، فقد حدد كانون الأول من ذلك العام موعداً لتنفيذ تهديده بتوقيع فيه معاهدة سلام مع ألمانيا الشرقية على انفراد. وإذا ما تم ذلك فإنه لن يعود يعترف بأي حقوق للوجود الأميركي في برلين الغربية. أما كينيدي فقد وضع حدوداً عامة وواضحة: إن الغرب لن يتخلى عن برلين الغربية؛ لكنه ليس موقفاً غير قابل للتفاوض، فإذا لم تتم تسوية المشكلة الألمانية بشكل مشترك فربما يحلها خروتشوف بنفسه بالشكل الذي من الممكن أن يجر الطرفين إلى ما لا يحمد عقباه. لقد وضع كينيدي برلين الغربية على رأس أولوياته، فبالنسبة له كانت تمثل منار أمل للأوروبيين الشرقيين ورمزاً صغيراً للحرية داخل عالم شمولي.

في ذلك اللقاء في فيينا، تسبب دفاع كينيدي عن دور الولايات المتحدة في برلين الغربية في إثارة خروتشوف حيث قال محتداً: " إنني أرغب في السلام. وإذا ما كنتم تريدون الحرب فهذه مشكلتكم " فرد عليه كينيدي بقوله : "أنت لا أنا الذي يريد أن يغير الأوضاع بالقوة"
يمكن أن نفسر رد كينيدي بطريقتين، لكن النتيجة تبقى واحدة: الطريقة الأولى تفهم رد كينيدي على أنه لايريد أن يغير الأوضاع وأنما يريد الإبقاء على الوضع القائم. والطريقة الثانية تفهم رده على أنه يريد تغيير الأوضاع، لكن ليس عن طريق استخدام القوة. والنتيجة في الحالتين هي أنه يريد الإبقاء على الأوضاع القائمة وفق تفاهم بوتسدام، لكنه يريد أن يغير ما أدى إلى سوء تطبيقها الحالي وبالتالي تكريسها؛ لكن ليس بالقوة وإنما بالاتفاق والتفاهم.
على أي حال، فقد كانت الكلمات الأخيرة التي وجهها كينيدي لخروتشوف في نهاية اللقاء:
" سيكون الشتاء بارداً جداً "

على الرغم من التوتر الذي تخلل اللقاء، إلا أن الطرفين كانا يسعيان للوصول إلى حد أدنى من التفهّم كل منهما للآخر، حتى يمكن أن يتوصلا إلى تفاهم ما وتسوية حولها ترضي رغبة الطرفين معاً. ورغم وجود معضلة تستوجب الحل في ألمانيا، إلا أن اللقاء كان مختلفاً تماماً عن اللقاء الأخير الذي جمع خروتشوف بأيزنهاور في باريس. ويذكر بأن كينيدي سأل خروتشوف في نهاية الجولة الأولى من المحادثات عن الوسام الذي يضعه الأخير على سترته، فأجابه بأنه وسام لينين للسلام، فقال له كينيدي : " آمل ألاّ تأتي ما يحملهم على سحبه منك" فضحك خروتشوف.

بعد عودته إلى واشنطن، بدأ كينيدي في إعداد الرد على خروتشوف بشأن ما دار في فيينا حول برلين رغبة منه في إكمال الحوار الأميركي السوفييتي بأي شكل كان، لكنه لاقى معارضة كبيرة من الشخصيات الأميركية التي تتمتع بنفوذ وتأثير كبيرين على السياسة الخارجية الأميركية، حيث طالب هؤلاء بعدم إجراء أية مباحثات مع الاتحاد السوفييتي ووجوب اعتماد أسلوب القوة فقط في حل هذه المشكلة. وكان من بين هذه الشخصيات وزير الخارجية الأميركي السابق دين أتشيسون، الذي أوصى بإرسال فرقة من القوات الأميركية على الطريق السريعة عبر ألمانيا الشرقية إلى برلين الغربية لإعلان حالة التأهب الوطنية، وتأكيد استعداد الولايات المتحدة لخوض حرب نووية لأجل برلين. كما رأى أتشيسون بأن الوضع في برلين لا يتضمن ما يوجب التفاوض بشأنه، مجادلاً بأنه من غير المبرر عقد اي مؤتمر قمة مستقبلاً لأجل هذا الموضوع. أما الرئيس فقد عبر عن عدم ارتياحه بأن يصبح رفض التفاوض اختباراً للصلابة، وأوعز إلى الكونغرس بضرورة إنجاز رد على خروتشوف، بحيث يتضمن بعض الخطوات الإيجابية في طريق الحل السلمي.

انتظر الرئيس كينيدي أياماً وأسابيع عديدة، إلا أن توصياته لم تنفذ. وبعد أن نفذ صبره، طلب من مجلس الشيوخ تقديم الوثيقة التي طلب منه انجازها حتى وان كانت غير مكتملة، فقد أراد أن يعرف تصورات مجلس الشيوخ لكيفية حل التأزم. لكن الوثيقة التي قدمت إليه لم تلبّ طموحاته ذلك لأنها كانت مجموعة من الجمل السلبية التي تدور حول لب المشكلة دون أن تدخل إلى أعماقها. ما حدا بالرئيس كينيدي تكليف مستشاره ثيودور سورنسون بإعادة صياغة الوثيقة ليتم إنجاز الرد بسرعة قصوى مؤرخاً في السابع عشر من تموز 1961.

قوبلت سياسات الرئيس كينيدي بمقاومة عنيفة من قبل مجموعة أتشيسون التي لاقت تأييداً من عدة شخصيات أميركية رسمية، وأتباع ألن دلاس الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية في الكونغرس من المؤيدين لألمانيا الغربية، وتمت المطالبة بعقد اجتماع خاص على مستوى الحكومة لمناقشة وجهة نظر الرئيس كينيدي. وفي اجتماع موسّع لمجلس الأمن القومي عقد في 19 تموز، أعلن أتشيسون عدم موافقته على التكتيك الذي يمارسه الرئيس في مباحثاته مع السوفييت لتسوية أزمة الحدود الألمانية وانتقد بشدة التعديلات التي أجراها على الوثيقة المعدّة من قبل مجلس الشيوخ، مؤكداً بأن أية مباحثات مع الاتحاد السوفييتي حول المسألة الألمانية لن تكون في صالح الولايات المتحدة وأنها ستكون شاهداً على ضعف الموقف الأميركي. وقد سانده العديد من أعضاء الكونغرس والحكومة في موقفه ذاك وحسب شهادات الحضور فقد دار نقاش حاد في ذلك الاجتماع بين أتشيسون ومستشاري الرئيس كينيدي، حول الأساليب الواجب اتباعها في السياسة الخارجية تجاه المسألة الألمانية، وانتصرت آنذاك وجهة نظر الرئيس التي تدعو إلى عدم إهمال المباحثات كوسيلة لحل المسائل الدولية.

لقد كان كينيدي يصنع موقفاً دبلوماسياً وعسكرياً في ذات الوقت، فقد نصح بإلغاء اجتماع مثير للاستفزاز لبرلمان ألمانيا الغربية في برلين الغربية، ومن جهة أخرى فقد طلب من الكونغرس برنامجاً ضخماً للدفاع المدني وملاجيء ضد القنابل النووية طالباص تقدير الخسائر في حالة اندلاع حرب نووية، وأخبر الأصدقاء والصحفيين أنه يعتقد بأن مثل هذه الحرب قد تقع.

في الخامس والعشرين من تموز وجه كينيدي خطاباً إلى الأمة عبر التلفزيون، اقترح فيه زيادة حادة في النفقات العسكرية وحجم القوات المسلحة، مؤكداً اعتزامه دخول الحرب لأجل برلين في حال الضرورة. وبالرغم من قسوته التي تضمنت تهديدات غير مباشرة باستعمال الأسلحة النووية إذا ما كان ذلك ضرورياً لحماية برلين الغربية؛ فقد ترك كينيدي المسألة مفتوحة للتسوية وردد عزمه على البحث عن مسارات جديدة للسلام.

"قد يخطأ الآخرون إذا اعتبروا أن برلين من أطماعهم المغرية، فالولايات المتحدة هناك، وفرنسا وبريطانيا هناك، والأمم المتحدة والناتو هناك، وسكان مدينة برلين هناك... إننا لا نريد أن نقاتل، ولكننا حاربنا من قبل...على الروس لا علينا الاختيار بين الحرب والسلم...نحن نبحث عن السلام، ولكننا لن نستسلم...لقد أصبحت برلين الغربية الآن المحك الأعظم لشجاعة الغربيين وعزمهم...إننا لا نستطيع ولن نسمح للشيوعيين بطردنا من برلين سواءً أكان ذلك بالتدرج أو بالقوة...لقد حدث ثلاث مرات في حياتي أن سيقت الولايات المتحدة وأوروبا إلى حروب كبرى، وفي كل مرة كان الطرفان يخطئان في الحكم على نوايا بعضهما البعض، مما أدى إلى وقوع كوارث مروعة... يجدر بأولئك الذين يهددون باطلاق العنان لقوى الحرب في نزاع حول برلين الغربية، أن يستعيدوا كلمات فيلسوف عريق حين قال: الرجل الذي يسبب الخوف لا يمكن له ان يتحرر من الخوف "
الرئيس جون كينيدي، 25 تموز 1961

في حقيقة الامر، لم يكن خطاب كينيدي ذاك موجهاً فقط إلى الاتحاد السوفييتي، انما ايضا الى خصومه الداخليين الذين يضغطون عليه لتسوية "طائشة" في برلين. فحدّة لهجته ستؤدي بلا شك إلى تهدئة الدعوات الغاضبة التي كانت تعيقه في محاولته التوصل لحل دبلوماسي في برلين. ولئن كانت الدعوات الغاضبة لهؤلاء الخصوم تصل إلى آذان الشعب الأميركي فهو في هذه الحال أيضاً يؤكد عدم تراخيه في مواجهة من هذا النوع مع الاتحاد السوفييتي.

كما أنه قام من خلال ذلك الخطاب بتهدئة روع الشعب الألماني بأنه لا يتهاون في الدفاع عن حريتهم. إضافة لذلك، فقد طمأن الرئيس كينيدي حلفائه بأنه يأخذهم في عين الاعتبار في سياق معالجة ذلك التأزم، وبذات الوقت رمى إلى قياس ردة فعلهم لتقييم مدى الحرية المتاحة له في التصرف حيال التوتر في برلين، وقد ثبت له أنه يملك الكثير من الحرية بخصوص ذلك. فالحلفاء لم يقوموا بأي استجابة موحدة: رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان لم يكن يريـد أن يقاتل لحمايـة الألمان، الرئيس الفرنسي شارل ديغول كان مكتفيـاً بتجاهل موسكو في الوقت الذي يركز فيه على إعادة جعل فرنسا قوة عالمية كبرى. أما المستشار الألماني كونراد أديناور فقد كان ممزقاً بين سياسة رفض التنازلات وبين الخوف من مزيد من القتال على أرض وطنه مع قناعة واضحة بأن برلين الغربية لم تكن لتستحق حرباً نووية.

ما خص المخاطب المباشر -الاتحاد السوفييتي- فقد كانت الرسالة المتضمنة في الخطاب والموجهة إلى خروتشوف والمحيطين به واضحة: لا تقدموا على اي استفزاز من شأنه الدفع باتجاه المواجهة العسكرية.
بالنسبة لخروتشوف، فقد أكد له كينيدي عن طريق هذا الخطاب على وجوب الثقة في نواياه للتسوية في برلين مشدداً على أنه هو نفسه يثق في نوايا خروتشوف، وأن عليه أن يكون بحجم موقع الثقة الذي يضعه فيه. وعليه في هذه الحال، أن يكون قادراً على التعامل مع العسكريين الروس الذين من الممكن أن يدفعوه لارتكاب عمل طائش في ألمانيا، ربما عن طريق إقناعهم بان الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي وأن الحرب قد تقع فعلاً.
لقد كان كينيدي على دراية جيدة بمدى صعوبة موقف خروتشوف، مدركاً بأن خطر الدمار الاقتصادي في ألمانيا الشرقية قد يدفع بالاتحاد السوفييتي نحو الحافة، ففي الوقت ذاته واصل اللاجئون من ألمانيا الشرقية هروبهم نحو الغرب، فقد دخل أكثر من 30 ألف لاجيء منهم إلى برلين الغربية، وحوالي 16500 لاجيء في الأيام العشرة الأولى من شهر آب، مما أثار الزعماء الشيوعيين، إذ كان كثير من أولئك اللاجئين من العمال ذوي المهارات العالية. وكان على كينيدي تبعاً لذلك أن يعطي السوفييت حلاً يحفظ ما تبقى من مصالحهم، هذا إذا كان هناك ما يمكن اعتباره مصالح متبقية، ويكون بمثابة مهديء؛ لكنه في الوقت ذاته لا يعرض مصالح الولايات المتحدة للخطر بل على العكس، يضمن الحفاظ على هذه المصالح وتنفيذ مرامي السياسة الخارجية الأميركية من خلال وجودها في برلين. وكان سناتور أركنساس المخضرم وليم فولبرايت، العضو في لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس والزميل السابق لكينيدي عندما كان الأخير عضواً في هذه اللجنة أواخر الخمسينات، هو من قام بإيصال الرسالة.

" لا أفهم لماذا لا يقوم الألمان الشرقيون بإغلاق الحدود؛ ذلك لاعتقادي بحقهم في إغلاقها "
السناتور وليم فولبرايت في مقابلة تلفزيونية، 30 آب 1961.

سواء كان صاحب فكرة اغلاق الحدود بين برلين الشرقية والغربية هو كينيدي أو خروتشوف أو الاثنين معاً، فقد كانت تصريحات فولبرايت بمثابة الضوء الأخضر لتنفيذ مثل تلك الفكرة من قبل الاتحاد السوفييتي بموافقة من الولايات المتحدة. وعندما سُأل كينيدي عن تصريحات فولبرايت في مؤتمر صحفي، تحاشى الحديث عما إذا كان للألمان الشرقيين الحق في الخروج الحر. وهكذا فهو وإن لم يؤيد ذلك، إنما لم يعارضه.

لقد لاحظ كينيدي بأن خروتشوف يريد إيقاف سيل المهاجرين ربما بجدار، فهو وان كان بمقدوره حماية برلين الغربية لكنه لا يستطيع أن يمنع موسكو من وضع نهاية للهجرة من الشرق.

لا نعرف بالحقيقة كل ما دار بين كينيدي وخروتشوف في فيينا، ربما يكونا قد توصلا الى تفاهم سري قال فيه كينيدي " فليكن، يمكن أن تشيد جدارا شرط أن تضمن بألا يضر بمصالح شرق برلين وغربها "

وبالنسبة للوثيقة الأميركية التي أعدها مجلس الشيوخ ثم عدّلها سورنسن، فقد لا تكون قد أشارت إلى الجدار بصراحة وإنما كانت بمثابة إشارة لانتظار الضوء الأخضر لبدء تنفيذ فكرة الجـدار. ومن هنا ليس ضروريا فهم السجال بين الطرفين قبل بناء الجدار على أنه خلاف على وجود مثل هذا الجدار، إنما كان الهدف من السجـال التأكيد لخروتشـوف والمحيطين به بأن أميـركا لن تسمح بأن يجر الجـدار لما هو أسوء، ووجوب بقاء غرب برلين ككيان منفصل عن شرقها تحت الحماية الأميركية بشكل خاص لا سيما بعد أن تأكد كينيدي من عدم اهتمام الحلفاء ببرلين وتركهم الساحة هناك للولايات المتحدة، عوضاً عن خطة خروتشوف لجعلها مدينة دولية خارج الحماية الغربية وتحت النفوذ الشيوعي.

ويكون كينيدي بذلك قد ضمن لخروتشوف بديلاً أكثر أمناً متجسداً في جدار يحافظ على ما تبقّى من موارد بشرية في ألمانيا الشرقية عامة وبرلين الشرقية خاصة، ويحفظ المصالح الغربية عامة والأميركية خاصة، في برلين التي تمثل في جزئها الغربي جسماً متميزاً داخل ألمانيا الشرقية ما قد يحمل الفناء لصبغتها الشيوعية مستقبلاً.

وهكذا فعلى الرغم من الاتفاق الضمني بين الطرفين حول الجدار كحلّ منطقي، إلا أن التأكيد على حرية برلين كان لا بد منه لطمأنة الشعوب الغربية لدى بناء الجدار بأن برلين لن يتم التهاون بشأن ضمان حريتها. ويتذكر كينيث أودونيل ملاحظات الرئيس أثناء الأزمة، وينقل عنه قوله : " قبل أن أدفع خروتشوف نحو الحائط، فإن حرية أوروبا الغربية كلها ستكون على المحك".

ليست هناك تعليقات: