.jpg)
وضاح الأبرش 10 ديسمبر 2008
" لقد تم اتخاذ هذه التدابير لمصلحة السلام في اوروبا، والأمن في المانيا الشرقية والجمهوريات الاشتراكية الاخرى "
راديو ألمانيا الشرقية، صبيحة 13 آب 1961.
" القمع كان على اشده، بوابة براندنبرغ نقطة العبور الرئيسية بين شطري المدينة كانت محاطة من قبل الشرطة الالمان الشرقيين بعضهم مسلح برشاشات، اضافة لافراد من مجموعات مقاتلة شبه عسكرية"
مراسل صحيفة الغارديان آدم كيليت لونغ، برلين، 13 آب 1961.
" حلقات من الفولاذ تلتف حول برلين، الدبابات الحمراء تلجم السعي نحو الحرية"
صحيفة ديلي ميرور، 14 آب 1961
الثالث عشر من آب عام 1961، كان يوما ارتفعت فيه حرارة الحرب الباردة. الأنباء من ألمانيا هزت العالم، الجنود الألمان الشرقيون يطوّقون برلين الغربية بالأسلاك الشائكة، المواطنون الالمان استيقظوا على ضجيج بناء حائط برلين.. على الحدود بين الشرق والغرب، استبدل الجندي الألماني الشرقي سلاحه الرشاش بمثقاب أرضي وبدأ بتعديل ملامح برلين بحواجز من الإسمنت لإقفال الشوارع العادية، وأسلاك شائكة للفصل بين الشوارع السكانية، بينما الحراسات المسلحة تحمي تقاطع الطرق. سكان برلين يراقبون ما يجري بحالة من الذهول، مدينتهم تتحول أمام أعينهم إلى معسكر اعتقال هائل.
لقد بدأ خروتشوف بتنفيذ إنذاره السابق الذي كان قد وجهه إلى الغرب: " لن نسمح بدخول أحد إلى برلين الغربية، وإذا أراد أحد أن يهددنا بالحرب فسيكون هو المسؤول عن الحرب". وانتظر العالم الرد الأميركي، فقد اعتبر ذلك تحدياً هائلاً لأميركا ضمن لعبة نووية فتاكة. خرج سكان برلين إلى الشوارع للاحتجاج وتحدى المئات منهم الحواجز والأسلاك الشائكة ليدفع بعضهم الثمن باهظاً. ومع تنامي الهرب رد السوفييت بجدار عال قسّم المدينة إلى شطرين ما أصاب سكان برلين بالصدمة. بعد ان كانت المدينة مقسمة الى شطرين سياسيا، اضحت مقسمة بفعل الاحجار.
لا بد من الإشارة إلى أن خروتشوف لم يبني الجدار مباشرة، بل قام أولاً بنشر أسلاك شائكة حولها ثم انتظر لبعض الوقت. ربما أراد التأكد من ردة فعل الغرب ممثلاً بالولايات المتحدة والحلفاء، أن الرئيس كينيدي يسيطر فعلاً على جميع الأمور وأنه لن يأتي عملاً عسكرياً يدفع الطرفين نحو الهاوية بعد أن كانا على الحافة. كما أراد أن يتثبت من أن التعامل في هذه الأزمة يتم مع الولايات المتحدة فقط، وأنه بذلك ستجري الأمور كما هو مرسوم لها مع كينيدي. عدا أن بناء الجدار مباشرة ربما كان سيدعو الغرب للتساؤل حيال اندفاع السوفييت بهذا القدر من الثقة، بحيث أن الاتفاق الضمني مع كينيدي يمكن أن تفوح بذلك رائحته على الفور.
لم يأتي الأميركيون بأي رد فعل عسكري، ولم يسجل للحلفاء أي رد فعل يذكر، وبعد ثلاثة أيام من نشر الأسلاك الشائكة اتصل السفير الأميركي للاحتجاج، هذا كل شيء. وعندما بدأ خروتشوف ببناء الجدار استجاب كينيدي ظاهرياً بالارتياح: " لماذا ييني خروتشوف جداراً إذا كان ينوي حقاً السيطرة على برلين الغربية؟ إن جداراً بحق الجحيم لهو أفضل بكثير من الحرب."
وعندما أوضح الألمان الشرقيون بأن إغلاق الحدود لا يؤثر على حقوق الحلفاء، الذين لا زال لديهم حق الوصول إلى برلين، وأن الإغلاق ليس لاحتجاز الغربيين في برلين كما يخشى الغرب لكن لمنع الألمان الشرقيين من الهروب إلى الغرب؛ تنفسّ كينيدي الصعداء فقد اطمئن إلى أن السيناريو المفترض لحل أزمة برلين قد بدأ يأخذ مجراه فعلاً إلى حيز التنفيذ.
وحين طالب بعض الثائرين الصاخبين داخل الإدارة الاميركية تدمير السور، رفض كينيدي فقد راى انه " من حق حكومة أولبرخت الشرعي أن تغلق حدودها، ولا يمكن لأحد أن يتصوّر أننا سنحارب بهذه الحجة" على حد قوله.
لكن السيناريو كان لا بد وأن يتضمن إيحاءات باحتمال استخدام القوة، وبالتالي إعطاء الانطباع بأن الصدام قد يكون حتمياً، ذلك لطمأنة ألمان الغرب بنوايا الولايات المتحدة بأنها لن تسمح بأن يكون السور قد شيّد لغرض أسوء من ذلك الذي دفع السوفييت والألمان الشرقيين لبناءه، خصوصاً بعد أن بعث رئيس بلدية برلين الغربية (ويلي برانت) برسالة غاضبة إلى الرئيس كينيدي نتيجة ذهوله من طبيعة رد الفعل الأميركي؛ فكان أن دخلت في الثامن عشر من آب 18 عربة مصفحة تحمل 1500 من مشاة البحرية الأميركية إلى برلين الغربية عن طريق ألمانيا الشرقية لتأكيد التزام الولايات المتحدة بحماية برلين الغربية. كما أرسل كينيدي نائبه لندون جونسون إلى برلين الغربية حيث تعهد بأن الجنود الأميركيين سيدافعون عن المدينة، لكن جونسون تحاشى الحديث عن إزالة الجدار؛ فأمر خروتشوف بمتابعة استبدال الأسلاك الشائكة بالإسمنت. وهكذا تحركت الوحدات الشرقية دون رقيب أو حسيب من الغرب واستمر العمل ببناء الجدار سريعاً ليدمّر كل ما يقف في طريقه.
" الولايات المتحدة تستطلع الانفجار في اسيا الوسطى، فعلها خروتشوف: تفجير جديد "
ديلي ميررور، 2 سبتمبر 1961
في الأول من إيلول حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد نقض الاتحاد السوفييتي تعهده الذي قطعه على نفسه من 3 سنوات بخصوص التجارب الذرية، إذ تم تفجير قنبلة ذرية هائلة ليكون ذلك خرقاً صارخاً لما وعد به خروتشوف كينيدي في فيينا: " لن نكون أبداً أول من ينقض هذا الوعد، أنتم ستنقضونه وستجبروننا على استئناف تجاربنا "
وقد كان للقرار الروسي وقع أليم في نفس الرئيس كينيدي كما يروي سكرتيره الصحفي بيير سالنجر، إذ كان من أهداف كينيدي الرئيسية في ذلك الوقت أن يوقّع مع الكرملين معاهدة حظر الأسلحة النووية. والآن أصبح هذا الهدف من أهداف المستقبل البعيد.
بعد التفجير الروسي، عرض خروتشوف إلغاء البقية الباقية من سلسلة التجارب النووية في حال قبول الغرب وجهة نظره حيال المسألة الألمانية. وفي ليلة الرابع عشر من سبتمبر اعلن الاتحاد السوفييتي بأن وزير الخارجية أندريه غروميكو سيلتقي نظيره الاميركي دين راسك في الاسبوع التالي لدى افتتاح اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك وذلك لتبادل الرؤى بخصوص برلين والمانيا. لكن ما حصل اليوم التالي أضاف عنصرا جديدا الى عملية تبادل وجهات النظر تلك.
" استأنفت الولايات المتحدة التجارب النووية يوم امس بإجراء تفجير صغير تحت الارض في صحراء نيفادا. الرئيس كينيدي قال بأن الولايات المتحدة أجبرت على مضض على تجديد الاختبارات بعد توقف 3 سنوات، بسبب استئناف الاتحاد السوفييتي تجاربه دون انذار مسبق وبعد تحضيرات دقيقة..."
نيويورك تايمز، 16 سبتمبر 1961
حتى ولو كان كينيدي وخروتشوف متفقين ضمنياً بشأن حل التأزم في برلين عبر إغلاق الحدود وبناء الحائط، إلا أن هذا الحل الدولي لم يكن ليعني بأي حال من الأحوال أن الأزمة قد أخذت طريقها إلى الحل النهائي فعلاً. ففي الواقع، فإن ما تم هو تجميد الأزمة فحسب، فالقوات السوفييتية والأميركية كانت على جانبي الحائط في حالة استنفار بانتظار التعليمات دون الولوج في مواجهة مباشرة. خصوصاً وأن الحائط تم السكوت عن وجوده فقط دون الموافقة عليه رسمياً من قبل الغرب ولا حتى بتصريح واحد. فالحائط الذي نظر إليه على أنه عمل شيوعي قاسي لكن مهديء، لم يمثل حلاً ينهي التوتر والتجاذب حول برلين، فعلى الجانب السوفييتي لم يصدر ولا حتى تأكيد واحد بضمان بقاء برلين الغربية تحت الحماية الغربية والنفوذ الغربي، وبالتالي فإن احتمال توقيع الاتحاد السوفييتي معاهدة سلام منفصلة مع ألمانيا الشرقية مع ما يحمله ذلك من عدم الاعتراف بالوجود الغربي في برلين الغربية؛ كان لا يزال قائماً.
إن كينيدي حتى لو التقى مع خروتشوف بخصوص الحائط، كتمهيد لحل المسألة الألمانية، إلا أنه لم يكن على استعداد للقبول بأكثر من ذلك، فعلى الرغم من أن مشروع خروتشوف كان يقضي بجعل برلين مدينة دولية، مما سيرفع الحماية الغربية عن برلين ويحولها إلى قوات رمزية تحت قيادة الأمم المتحدة، فهو عملياً سيدخل إلى برلين الغربية إلى جانب قوات الحلفاء قوات سوفييتية وأخرى تحت النفوذ السوفييتي، وحتى لو كان ذلك بتعداد رمزي قياساً على برلين الشرقية، فلم يكن من المقبول لدى كينيدي مجرد التفكير به، وبالتالي فهو لن يقف مكتوف الأيدي حيال أي محاولة لفرض شيء من ذلك.
وإذا كان كينيدي قد استطاع التغلب على بعض الدعوات الغاضبة داخل إدارته بالتدخل عسكرياً لإسقاط حائط برلين وفرض وجهة النظر الأميركية بالقوة، مما قد يؤدي لوقوع صدام يفضي إلى الحرب بصورة شبه حتمية، فهو لن يقدر على المحافظة على الهدوء وضبط النفس إذا ما أجبره خروتشوف بتعنت محتمل على القيام بتحرك عسكري، ففي هكذا وضع محتمل سيعدم كينيدي الحجة التي تقول بأن الحائط هو بداية حل يحفظ حقوق ومصالح الطرفين.
فالتعنت السوفييتي المحتمل سوف يوحي بأن الجدار سيحمل ما هو أسوء فعلاً، خصوصاً وأن الرأي العام الغربي عامة والأميركي خاصة، لن يتوقع منه أن يقف موقفاً سلبياً متردداً إزاء ذلك. ولضمان الوصول إلى الحل الذي ينشده في برلين؛ كان على كينيدي أن يدفع خروتشوف نحو القيام بمبادرة ما قبل القيام بخطوة عسكرية، لعل ذلك ينفي الحاجة إلى مثل تلك الخطوة أصلاً. وحتى ولو كانت المبادرة سرية مبدئياً فستكون مقبولة لدى كينيدي فهي مؤشر على حسن النية لدى الطرف السوفييتي وبأن الأمور ستسير نحو الانفراج. لذلك كان تريث كينيدي مصحوباً بإيماءات لغوية لابد منها بالتلويح باحتمال استخدام القوة. لكن بينما كان خروتشوف يعي ذلك جيداً، فإن ذلك قد لا ينطبق على القوى المحيطة به، وبالتالي كانت تلك الايماءات بمثابة رسائل رمزية لخروتشوف تعني وجوب حل مشاكله الداخلية بسرعة قبل نفاذ الوقت والصبر، وقد أتى ذلك بثماره فعلاً.
ففي الثاني والعشرين من إيلول، التقى في مانهاتن بنيويورك كل من بيير سالنجر السكرتير الصحفي للرئيس كينيدي وميخائيل كارلاموف الملحق الصحفي في وزارة الخارجية السوفييتية، حيث حمل كارلاموف سالنجر شفوياً رسالة سرية من خروتشوف إلى الرئيس كينيدي مفادها أنه يسيطر على جميع الأمور في موسكو، وأنه على استعداد للتقارب مع الولايات المتحدة بخصوص برلين، وانه يرى في تعزيز القوات الأميركية في ألمانيا خطراً داهماً على السلام، معبراً عن قلقه من وقوع حادث عسكري خطير في برلين مما يمثل خطراً عظيماً لا يحتمل تأخير التسوية زمناً طويلاً، وأنه لذلك يتوق إلى عقد مؤتمر قمة مع الرئيس كينيدي في برلين بأقرب فرصة ممكنة، لكنه ترك لكينيدي حرية تحديد تاريخه، كما أنه يأمل بألاّ يكون خطاب كينيدي في الجمعية العامة للأمم المتحدة إنذاراً جديداً بالحرب مثل نداء الخامس والعشرين من تموز، فهو لم يحب ذلك أبداً.
إن الأمر المثير للاهتمام، أن خروتشوف كان قد أفضى بحديث خاص لسيروس ل. سالزبرغر المراسل الباريسي لصحيفة نيويورك تايمز في موسكو، وعهد إليه في الوقت نفسه برسالة مستعجلة جداً إلى كينيدي تتضمن ما نقله كارلاموف. لكن كينيدي أخبر سالنجر بأنه لم يتلق أي شيء من سالزبرغر علماً أن لقاء الأخير بخروتشـوف كان في أوائل شهر إيلول، أي بعد أن استأنف خروتشوف التجارب الذرية؛ لكن قبل أن يأمر كينيدي باستئنافها رداً عليه.
ففي الوقت الذي عرض فيه خروتشوف إلغاء البقية الباقية من سلسلة التجارب إذا ما قبل الغرب وجهة نظره في حل المشكلة الألمانية، كان في الحقيقة مستعداً للتقارب مع الولايات المتحدة بخصوص برلين.
فما سر هذا التناقض في المواقف؟
لعلّ ذلك يعود إلى أن خروتشوف لم يكن ليضمن لنفسه السيطرة على القرار في الكرملين لولا توصله إلى تسوية مع خصومه، تسوية مفادها بانه سيصغي إلى المقترحات الأميركية بشأن برلين من موقع قوة لا ضعف. إن ملامح موقع القوة هذا لا يمكن أن تظهر في ألمانيا إذا كان هناك نية فعلية في عدم دفع الأمور نحو التأزم، وأدى ذلك لحل وسط وهو اختيار أسلوب بديل لعرض القوة خارج النطاق الألماني، فكان اختيار استئناف التجارب النووية كمظهر ملائم لإبراز عضلات الاتحاد السوفييتي أثناء سعيه للتقارب مع الولايات المتحدة للوصول إلى حل مشترك متوازن للمشكلة الألمانية. ولعلّ خروتشوف الذي جعل التفجير الذري متزامناً مع الرسالة التي بعثها عن طريق سالزبرغر، تيقّن بأن كينيدي سيفهم موقفه وبالتالي فهو لن يغضب من التصرف السوفييتي ويرد عليه بما يوازيه.
لكن لماذا لم يقم سالزبرغر بإيصال الرسالة المستعجلة رغم أهميتها البالغة؟
يمكن تفسير ذلك وفق احد احتمالين:
الأول أن سالزبرغر لم يوصل الرسالة عمداً بضغط من بعض الجهات النافذة داخل الولايات المتحدة التي يهمها بأن تظل قعقعة السلاح عماد السياسة الأميركية الخارجية، حيث أن مبيعات الأسلحة لن تتوقف تبعاً لذلك، في الوقت الذي تتشابك فيه مصالح رجال البنتاغون، المخابرات الأميركية، رجال الأعمال، شركات تصنيع السلاح وسماسرتها...الخ
والاحتمال الثاني أن كينيدي بلغته الرسالة لكنه غضّ الطرف عنها عمداً، ليتخذ من استئناف التجارب النووية السوفييتي ذريعة ليأمر باستئناف التجارب النووية على الجانب الأميركي، وفي ذلك مقدمة لتمرير طموحه بتوقيع معاهدة لحظر التجارب النووية مع الاتحاد السوفييتي مستقبلاً، ما يؤدي لأن تحذو بريطانيا وفرنسا حذوه، تلك الدولتان اللتان كانتا تطمحان إلى بناء قوى نووية خاصة بهما. وهنا لا يكون كينيدي قد غض النظر عن مبادرة خروتشوف لكنه أجّل النظر بها، لحين تنفيذ أوامره باستئناف التجارب النووية في الخامس عشر من ذلك الشهر.
أما بما يختص (بالنسخة الثانية) من الرسالة التي نقلها سالنجر شفوياً إلى كينيدي، فقد علّق الأخير عليها بقوله: "إذا كان خروتشوف يريد فعلاً أن يستمع إلى ما لدينا لنقوله عن ألمانيا، فإنه لن يعترف رسميا بحكومة أولبرخت.. ليس في هذه السنة على أي حال، وهذا خبر سار..."
أما بالنسبة لاقتراح خروتشوف بعقد مؤتمر قمة في برلين، فقد تلقاه كينيدي بشيء من الحذر, فعدا عن أن الاجتماع ستتخلله "بروتوكولياً " المصافحات والابتسامات التي سينظر إليها بشيء من الحساسية لدى الرأي العام الألماني في الوقت الذي لم يكن حائط برلين قد جفّ بعد، فإن كينيدي كان يقول أنه لا بد قبل كل شيء من أن يبرهن السوفيات على حسن نيتهم في لاوس. فقد كان كينيدي ميّالاً إلى تحييد لاوس التي تقع إلى الغرب من فيتنام، وكان الجناح اليميني الحاكم يواجه التهديد المستمر من باتيت لاو الشيوعي الذي تدعمه روسيا. ورغم تعهد خروتشوف لكينيدي في مؤتمر فيينا بترك الخيار أمام لاوس لتقرير مصيرها، إلا أنه استمر في دعم الشيوعيين بصورة أكبر من دعم الأميركيين للحكومة اليمينية والذي كان مصحوباً بجهود موازية مؤداها إعلان لاوس محايدة دون أن ترتبط لا بالشيوعيين ولا باليمينيين، ودون أن تتورط في النزاع القائم في جارتها فييتنام، وبالتالي كانت عبارة "تقرير المصير" التي وردت في البيان الختامي لنتائج المحادثات في فيينا، تعني ترك لاوس وشأنها بعيداً عن التجاذب الأميركي السوفييتي في فييتنام المجاورة. وهكذا بقي حياد لاوس سبباً للخلاف بين الزعيمين، ولم يكفّ كينيدي عن توجيه الاتهام إلى خروتشوف لفشله في احترام تعهداته التي قطعها على نفسه في فيينا، وها هي الان تدخل في التجاذبات الأميركية السوفييتية حول برلين.
على أي حال، فقد قال كينيدي في المذكرة التي أملاها على سالنجر رداً على خروتشوف: "إذا كان الكرملين على استعداد لاحترام تعهداته في لاوس، فإن الاجتماع على مستوى القمة للبحث في مسألة ألمانيا الشائكة قد يكون مثمراً، وإننا سنراقب وننتظر..."
أما خطاب كينيدي الذي كان سيلقيه في الخامس والعشرين من سبتمبر امام الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة بصورة طارئة بعد مصرع الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد في تحطم طائرته شمال روديسيا، فلم يعدّل فيه كينيدي أي شيء، فلم تكن صياغته قد تمت في شكل الإنذار أصلاً كما كان يخشى خروتشوف. مما يصعّد من الاحتمال الذي يقول بأن كينيدي قد تلقى فعلاً رسالة خروتشوف عير سالزبرغر، أو أن نية كينيدي في استمرار الحوار دون تصعيد قد تغلبت على إنذار فيما لو صدر لكان بمكانه، بدليل توقع خروتشوف له.
ومن خلال ذلك الخطاب تبينت بوضوح اهمية ومغزى رد كينيدي على استئناف خروتشوف للتجارب النووية باستئناف مماثل.
" ...وأقترح أن تستأنف مفاوضات نزع السلاح على وجه السرعة وأن تستمر بلا انقطاع، إلى أن يتم وضع خطة لنزع السلاح العام الشامل، ويجب لهذا الغرض منطقياً البدء بتوقيع معاهدة تضمن وقف التجارب النووية بجميع أنواعها..."
الرئيس جون كينيدي، 25 سبتمبر 1961.
في خطابه ذاك، شرح كينيدي جوهر مخاوف الغرب من معاهدة السلام التي كان يهدد خروتشوف بإبرامها مع حكومة ألمانيا الشرقية:
" ...ومن السخف الإدعاء بأننا نريد دخول الحرب لا لسبب إلا لمنع الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية من توقيع معاهدة صلح مزعومة. فالحلفاء الغربيون لا يهتمون لأية تسوية على الورق قد يود الروس وضعها مع نظام اصطنعوه وفي أراضي تحتلها جيوشهم ويحكمها عملاؤهم...فإذا كانت هناك أزمة خطيرة في برلين – وهناك أزمة فعلاً- فيرجع سببها إلى كون المصالح الحيوية والتعهدات المقدسة التي قطعتها الدول الغربية على نفسها، وكذلك حرية برلين أصبحت مهددة. إننا لا نستطيع أن نهمل هذه التعهدات ولكننا نعتقد بأنه يمكن الوصول إلى تسوية سلمية...إننا نبحث الآن في احتمالات المفاوضات، وإذا كان الذين أثاروا هذه الأزمة يرغبون في السلام، فسيكون هناك سلام وحرية في برلين ."
وهكذا فإن كينيدي عندما ذكر لسالنجر بأنه يفهم من مضمون رسالة خروتشوف بأنه ليس متعجّلاً على توقيع معاهدة سلام مع ألمانيا الشرقية، فهو لم يكن يعتزم ثنيه عنها وإنما كان يريد تأخيرها فقط حتى يتوفر له الوقت الملائم لإبعاد خروتشوف عن التفكير بعدم احترام حقوق الغرب في برلين الغربية في حال توقيع مثل تلك المعاهدة، فالغرب لن يعترف رسمياً بالجدار بأي حال، لكن الدعوة لإزالته ستنتفي الحاجة إليها في حال عدم تعرض حقوق الغرب للخطر ولم تتهدد حرية برلين، مما يضمن مصالح الطرفين.
لكن يبقى القلق من احتمال انفلات الأمور من أيدي كينيدي وخروتشوف فيما لو وقع حادث خطير في برلين ما شأنه أن ينسف جميع مراحل التسوية من أساسها، ويجعل الطريق المأمول نحو نهاية الأزمة طويلاً إن لم يصبح مستحيلاً، فطالما تتواجد الدبابات على جانبي السور في حالة استنفار دون وجود مؤشر ملموس يوحي بانفراج الأزمة، فكل شيء يبقى وارداً.
لقد بدأ خروتشوف بتنفيذ إنذاره السابق الذي كان قد وجهه إلى الغرب: " لن نسمح بدخول أحد إلى برلين الغربية، وإذا أراد أحد أن يهددنا بالحرب فسيكون هو المسؤول عن الحرب". وانتظر العالم الرد الأميركي، فقد اعتبر ذلك تحدياً هائلاً لأميركا ضمن لعبة نووية فتاكة. خرج سكان برلين إلى الشوارع للاحتجاج وتحدى المئات منهم الحواجز والأسلاك الشائكة ليدفع بعضهم الثمن باهظاً. ومع تنامي الهرب رد السوفييت بجدار عال قسّم المدينة إلى شطرين ما أصاب سكان برلين بالصدمة. بعد ان كانت المدينة مقسمة الى شطرين سياسيا، اضحت مقسمة بفعل الاحجار.
لا بد من الإشارة إلى أن خروتشوف لم يبني الجدار مباشرة، بل قام أولاً بنشر أسلاك شائكة حولها ثم انتظر لبعض الوقت. ربما أراد التأكد من ردة فعل الغرب ممثلاً بالولايات المتحدة والحلفاء، أن الرئيس كينيدي يسيطر فعلاً على جميع الأمور وأنه لن يأتي عملاً عسكرياً يدفع الطرفين نحو الهاوية بعد أن كانا على الحافة. كما أراد أن يتثبت من أن التعامل في هذه الأزمة يتم مع الولايات المتحدة فقط، وأنه بذلك ستجري الأمور كما هو مرسوم لها مع كينيدي. عدا أن بناء الجدار مباشرة ربما كان سيدعو الغرب للتساؤل حيال اندفاع السوفييت بهذا القدر من الثقة، بحيث أن الاتفاق الضمني مع كينيدي يمكن أن تفوح بذلك رائحته على الفور.
لم يأتي الأميركيون بأي رد فعل عسكري، ولم يسجل للحلفاء أي رد فعل يذكر، وبعد ثلاثة أيام من نشر الأسلاك الشائكة اتصل السفير الأميركي للاحتجاج، هذا كل شيء. وعندما بدأ خروتشوف ببناء الجدار استجاب كينيدي ظاهرياً بالارتياح: " لماذا ييني خروتشوف جداراً إذا كان ينوي حقاً السيطرة على برلين الغربية؟ إن جداراً بحق الجحيم لهو أفضل بكثير من الحرب."
وعندما أوضح الألمان الشرقيون بأن إغلاق الحدود لا يؤثر على حقوق الحلفاء، الذين لا زال لديهم حق الوصول إلى برلين، وأن الإغلاق ليس لاحتجاز الغربيين في برلين كما يخشى الغرب لكن لمنع الألمان الشرقيين من الهروب إلى الغرب؛ تنفسّ كينيدي الصعداء فقد اطمئن إلى أن السيناريو المفترض لحل أزمة برلين قد بدأ يأخذ مجراه فعلاً إلى حيز التنفيذ.
وحين طالب بعض الثائرين الصاخبين داخل الإدارة الاميركية تدمير السور، رفض كينيدي فقد راى انه " من حق حكومة أولبرخت الشرعي أن تغلق حدودها، ولا يمكن لأحد أن يتصوّر أننا سنحارب بهذه الحجة" على حد قوله.
لكن السيناريو كان لا بد وأن يتضمن إيحاءات باحتمال استخدام القوة، وبالتالي إعطاء الانطباع بأن الصدام قد يكون حتمياً، ذلك لطمأنة ألمان الغرب بنوايا الولايات المتحدة بأنها لن تسمح بأن يكون السور قد شيّد لغرض أسوء من ذلك الذي دفع السوفييت والألمان الشرقيين لبناءه، خصوصاً بعد أن بعث رئيس بلدية برلين الغربية (ويلي برانت) برسالة غاضبة إلى الرئيس كينيدي نتيجة ذهوله من طبيعة رد الفعل الأميركي؛ فكان أن دخلت في الثامن عشر من آب 18 عربة مصفحة تحمل 1500 من مشاة البحرية الأميركية إلى برلين الغربية عن طريق ألمانيا الشرقية لتأكيد التزام الولايات المتحدة بحماية برلين الغربية. كما أرسل كينيدي نائبه لندون جونسون إلى برلين الغربية حيث تعهد بأن الجنود الأميركيين سيدافعون عن المدينة، لكن جونسون تحاشى الحديث عن إزالة الجدار؛ فأمر خروتشوف بمتابعة استبدال الأسلاك الشائكة بالإسمنت. وهكذا تحركت الوحدات الشرقية دون رقيب أو حسيب من الغرب واستمر العمل ببناء الجدار سريعاً ليدمّر كل ما يقف في طريقه.
" الولايات المتحدة تستطلع الانفجار في اسيا الوسطى، فعلها خروتشوف: تفجير جديد "
ديلي ميررور، 2 سبتمبر 1961
في الأول من إيلول حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد نقض الاتحاد السوفييتي تعهده الذي قطعه على نفسه من 3 سنوات بخصوص التجارب الذرية، إذ تم تفجير قنبلة ذرية هائلة ليكون ذلك خرقاً صارخاً لما وعد به خروتشوف كينيدي في فيينا: " لن نكون أبداً أول من ينقض هذا الوعد، أنتم ستنقضونه وستجبروننا على استئناف تجاربنا "
وقد كان للقرار الروسي وقع أليم في نفس الرئيس كينيدي كما يروي سكرتيره الصحفي بيير سالنجر، إذ كان من أهداف كينيدي الرئيسية في ذلك الوقت أن يوقّع مع الكرملين معاهدة حظر الأسلحة النووية. والآن أصبح هذا الهدف من أهداف المستقبل البعيد.
بعد التفجير الروسي، عرض خروتشوف إلغاء البقية الباقية من سلسلة التجارب النووية في حال قبول الغرب وجهة نظره حيال المسألة الألمانية. وفي ليلة الرابع عشر من سبتمبر اعلن الاتحاد السوفييتي بأن وزير الخارجية أندريه غروميكو سيلتقي نظيره الاميركي دين راسك في الاسبوع التالي لدى افتتاح اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك وذلك لتبادل الرؤى بخصوص برلين والمانيا. لكن ما حصل اليوم التالي أضاف عنصرا جديدا الى عملية تبادل وجهات النظر تلك.
" استأنفت الولايات المتحدة التجارب النووية يوم امس بإجراء تفجير صغير تحت الارض في صحراء نيفادا. الرئيس كينيدي قال بأن الولايات المتحدة أجبرت على مضض على تجديد الاختبارات بعد توقف 3 سنوات، بسبب استئناف الاتحاد السوفييتي تجاربه دون انذار مسبق وبعد تحضيرات دقيقة..."
نيويورك تايمز، 16 سبتمبر 1961
حتى ولو كان كينيدي وخروتشوف متفقين ضمنياً بشأن حل التأزم في برلين عبر إغلاق الحدود وبناء الحائط، إلا أن هذا الحل الدولي لم يكن ليعني بأي حال من الأحوال أن الأزمة قد أخذت طريقها إلى الحل النهائي فعلاً. ففي الواقع، فإن ما تم هو تجميد الأزمة فحسب، فالقوات السوفييتية والأميركية كانت على جانبي الحائط في حالة استنفار بانتظار التعليمات دون الولوج في مواجهة مباشرة. خصوصاً وأن الحائط تم السكوت عن وجوده فقط دون الموافقة عليه رسمياً من قبل الغرب ولا حتى بتصريح واحد. فالحائط الذي نظر إليه على أنه عمل شيوعي قاسي لكن مهديء، لم يمثل حلاً ينهي التوتر والتجاذب حول برلين، فعلى الجانب السوفييتي لم يصدر ولا حتى تأكيد واحد بضمان بقاء برلين الغربية تحت الحماية الغربية والنفوذ الغربي، وبالتالي فإن احتمال توقيع الاتحاد السوفييتي معاهدة سلام منفصلة مع ألمانيا الشرقية مع ما يحمله ذلك من عدم الاعتراف بالوجود الغربي في برلين الغربية؛ كان لا يزال قائماً.
إن كينيدي حتى لو التقى مع خروتشوف بخصوص الحائط، كتمهيد لحل المسألة الألمانية، إلا أنه لم يكن على استعداد للقبول بأكثر من ذلك، فعلى الرغم من أن مشروع خروتشوف كان يقضي بجعل برلين مدينة دولية، مما سيرفع الحماية الغربية عن برلين ويحولها إلى قوات رمزية تحت قيادة الأمم المتحدة، فهو عملياً سيدخل إلى برلين الغربية إلى جانب قوات الحلفاء قوات سوفييتية وأخرى تحت النفوذ السوفييتي، وحتى لو كان ذلك بتعداد رمزي قياساً على برلين الشرقية، فلم يكن من المقبول لدى كينيدي مجرد التفكير به، وبالتالي فهو لن يقف مكتوف الأيدي حيال أي محاولة لفرض شيء من ذلك.
وإذا كان كينيدي قد استطاع التغلب على بعض الدعوات الغاضبة داخل إدارته بالتدخل عسكرياً لإسقاط حائط برلين وفرض وجهة النظر الأميركية بالقوة، مما قد يؤدي لوقوع صدام يفضي إلى الحرب بصورة شبه حتمية، فهو لن يقدر على المحافظة على الهدوء وضبط النفس إذا ما أجبره خروتشوف بتعنت محتمل على القيام بتحرك عسكري، ففي هكذا وضع محتمل سيعدم كينيدي الحجة التي تقول بأن الحائط هو بداية حل يحفظ حقوق ومصالح الطرفين.
فالتعنت السوفييتي المحتمل سوف يوحي بأن الجدار سيحمل ما هو أسوء فعلاً، خصوصاً وأن الرأي العام الغربي عامة والأميركي خاصة، لن يتوقع منه أن يقف موقفاً سلبياً متردداً إزاء ذلك. ولضمان الوصول إلى الحل الذي ينشده في برلين؛ كان على كينيدي أن يدفع خروتشوف نحو القيام بمبادرة ما قبل القيام بخطوة عسكرية، لعل ذلك ينفي الحاجة إلى مثل تلك الخطوة أصلاً. وحتى ولو كانت المبادرة سرية مبدئياً فستكون مقبولة لدى كينيدي فهي مؤشر على حسن النية لدى الطرف السوفييتي وبأن الأمور ستسير نحو الانفراج. لذلك كان تريث كينيدي مصحوباً بإيماءات لغوية لابد منها بالتلويح باحتمال استخدام القوة. لكن بينما كان خروتشوف يعي ذلك جيداً، فإن ذلك قد لا ينطبق على القوى المحيطة به، وبالتالي كانت تلك الايماءات بمثابة رسائل رمزية لخروتشوف تعني وجوب حل مشاكله الداخلية بسرعة قبل نفاذ الوقت والصبر، وقد أتى ذلك بثماره فعلاً.
ففي الثاني والعشرين من إيلول، التقى في مانهاتن بنيويورك كل من بيير سالنجر السكرتير الصحفي للرئيس كينيدي وميخائيل كارلاموف الملحق الصحفي في وزارة الخارجية السوفييتية، حيث حمل كارلاموف سالنجر شفوياً رسالة سرية من خروتشوف إلى الرئيس كينيدي مفادها أنه يسيطر على جميع الأمور في موسكو، وأنه على استعداد للتقارب مع الولايات المتحدة بخصوص برلين، وانه يرى في تعزيز القوات الأميركية في ألمانيا خطراً داهماً على السلام، معبراً عن قلقه من وقوع حادث عسكري خطير في برلين مما يمثل خطراً عظيماً لا يحتمل تأخير التسوية زمناً طويلاً، وأنه لذلك يتوق إلى عقد مؤتمر قمة مع الرئيس كينيدي في برلين بأقرب فرصة ممكنة، لكنه ترك لكينيدي حرية تحديد تاريخه، كما أنه يأمل بألاّ يكون خطاب كينيدي في الجمعية العامة للأمم المتحدة إنذاراً جديداً بالحرب مثل نداء الخامس والعشرين من تموز، فهو لم يحب ذلك أبداً.
إن الأمر المثير للاهتمام، أن خروتشوف كان قد أفضى بحديث خاص لسيروس ل. سالزبرغر المراسل الباريسي لصحيفة نيويورك تايمز في موسكو، وعهد إليه في الوقت نفسه برسالة مستعجلة جداً إلى كينيدي تتضمن ما نقله كارلاموف. لكن كينيدي أخبر سالنجر بأنه لم يتلق أي شيء من سالزبرغر علماً أن لقاء الأخير بخروتشـوف كان في أوائل شهر إيلول، أي بعد أن استأنف خروتشوف التجارب الذرية؛ لكن قبل أن يأمر كينيدي باستئنافها رداً عليه.
ففي الوقت الذي عرض فيه خروتشوف إلغاء البقية الباقية من سلسلة التجارب إذا ما قبل الغرب وجهة نظره في حل المشكلة الألمانية، كان في الحقيقة مستعداً للتقارب مع الولايات المتحدة بخصوص برلين.
فما سر هذا التناقض في المواقف؟
لعلّ ذلك يعود إلى أن خروتشوف لم يكن ليضمن لنفسه السيطرة على القرار في الكرملين لولا توصله إلى تسوية مع خصومه، تسوية مفادها بانه سيصغي إلى المقترحات الأميركية بشأن برلين من موقع قوة لا ضعف. إن ملامح موقع القوة هذا لا يمكن أن تظهر في ألمانيا إذا كان هناك نية فعلية في عدم دفع الأمور نحو التأزم، وأدى ذلك لحل وسط وهو اختيار أسلوب بديل لعرض القوة خارج النطاق الألماني، فكان اختيار استئناف التجارب النووية كمظهر ملائم لإبراز عضلات الاتحاد السوفييتي أثناء سعيه للتقارب مع الولايات المتحدة للوصول إلى حل مشترك متوازن للمشكلة الألمانية. ولعلّ خروتشوف الذي جعل التفجير الذري متزامناً مع الرسالة التي بعثها عن طريق سالزبرغر، تيقّن بأن كينيدي سيفهم موقفه وبالتالي فهو لن يغضب من التصرف السوفييتي ويرد عليه بما يوازيه.
لكن لماذا لم يقم سالزبرغر بإيصال الرسالة المستعجلة رغم أهميتها البالغة؟
يمكن تفسير ذلك وفق احد احتمالين:
الأول أن سالزبرغر لم يوصل الرسالة عمداً بضغط من بعض الجهات النافذة داخل الولايات المتحدة التي يهمها بأن تظل قعقعة السلاح عماد السياسة الأميركية الخارجية، حيث أن مبيعات الأسلحة لن تتوقف تبعاً لذلك، في الوقت الذي تتشابك فيه مصالح رجال البنتاغون، المخابرات الأميركية، رجال الأعمال، شركات تصنيع السلاح وسماسرتها...الخ
والاحتمال الثاني أن كينيدي بلغته الرسالة لكنه غضّ الطرف عنها عمداً، ليتخذ من استئناف التجارب النووية السوفييتي ذريعة ليأمر باستئناف التجارب النووية على الجانب الأميركي، وفي ذلك مقدمة لتمرير طموحه بتوقيع معاهدة لحظر التجارب النووية مع الاتحاد السوفييتي مستقبلاً، ما يؤدي لأن تحذو بريطانيا وفرنسا حذوه، تلك الدولتان اللتان كانتا تطمحان إلى بناء قوى نووية خاصة بهما. وهنا لا يكون كينيدي قد غض النظر عن مبادرة خروتشوف لكنه أجّل النظر بها، لحين تنفيذ أوامره باستئناف التجارب النووية في الخامس عشر من ذلك الشهر.
أما بما يختص (بالنسخة الثانية) من الرسالة التي نقلها سالنجر شفوياً إلى كينيدي، فقد علّق الأخير عليها بقوله: "إذا كان خروتشوف يريد فعلاً أن يستمع إلى ما لدينا لنقوله عن ألمانيا، فإنه لن يعترف رسميا بحكومة أولبرخت.. ليس في هذه السنة على أي حال، وهذا خبر سار..."
أما بالنسبة لاقتراح خروتشوف بعقد مؤتمر قمة في برلين، فقد تلقاه كينيدي بشيء من الحذر, فعدا عن أن الاجتماع ستتخلله "بروتوكولياً " المصافحات والابتسامات التي سينظر إليها بشيء من الحساسية لدى الرأي العام الألماني في الوقت الذي لم يكن حائط برلين قد جفّ بعد، فإن كينيدي كان يقول أنه لا بد قبل كل شيء من أن يبرهن السوفيات على حسن نيتهم في لاوس. فقد كان كينيدي ميّالاً إلى تحييد لاوس التي تقع إلى الغرب من فيتنام، وكان الجناح اليميني الحاكم يواجه التهديد المستمر من باتيت لاو الشيوعي الذي تدعمه روسيا. ورغم تعهد خروتشوف لكينيدي في مؤتمر فيينا بترك الخيار أمام لاوس لتقرير مصيرها، إلا أنه استمر في دعم الشيوعيين بصورة أكبر من دعم الأميركيين للحكومة اليمينية والذي كان مصحوباً بجهود موازية مؤداها إعلان لاوس محايدة دون أن ترتبط لا بالشيوعيين ولا باليمينيين، ودون أن تتورط في النزاع القائم في جارتها فييتنام، وبالتالي كانت عبارة "تقرير المصير" التي وردت في البيان الختامي لنتائج المحادثات في فيينا، تعني ترك لاوس وشأنها بعيداً عن التجاذب الأميركي السوفييتي في فييتنام المجاورة. وهكذا بقي حياد لاوس سبباً للخلاف بين الزعيمين، ولم يكفّ كينيدي عن توجيه الاتهام إلى خروتشوف لفشله في احترام تعهداته التي قطعها على نفسه في فيينا، وها هي الان تدخل في التجاذبات الأميركية السوفييتية حول برلين.
على أي حال، فقد قال كينيدي في المذكرة التي أملاها على سالنجر رداً على خروتشوف: "إذا كان الكرملين على استعداد لاحترام تعهداته في لاوس، فإن الاجتماع على مستوى القمة للبحث في مسألة ألمانيا الشائكة قد يكون مثمراً، وإننا سنراقب وننتظر..."
أما خطاب كينيدي الذي كان سيلقيه في الخامس والعشرين من سبتمبر امام الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة بصورة طارئة بعد مصرع الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد في تحطم طائرته شمال روديسيا، فلم يعدّل فيه كينيدي أي شيء، فلم تكن صياغته قد تمت في شكل الإنذار أصلاً كما كان يخشى خروتشوف. مما يصعّد من الاحتمال الذي يقول بأن كينيدي قد تلقى فعلاً رسالة خروتشوف عير سالزبرغر، أو أن نية كينيدي في استمرار الحوار دون تصعيد قد تغلبت على إنذار فيما لو صدر لكان بمكانه، بدليل توقع خروتشوف له.
ومن خلال ذلك الخطاب تبينت بوضوح اهمية ومغزى رد كينيدي على استئناف خروتشوف للتجارب النووية باستئناف مماثل.
" ...وأقترح أن تستأنف مفاوضات نزع السلاح على وجه السرعة وأن تستمر بلا انقطاع، إلى أن يتم وضع خطة لنزع السلاح العام الشامل، ويجب لهذا الغرض منطقياً البدء بتوقيع معاهدة تضمن وقف التجارب النووية بجميع أنواعها..."
الرئيس جون كينيدي، 25 سبتمبر 1961.
في خطابه ذاك، شرح كينيدي جوهر مخاوف الغرب من معاهدة السلام التي كان يهدد خروتشوف بإبرامها مع حكومة ألمانيا الشرقية:
" ...ومن السخف الإدعاء بأننا نريد دخول الحرب لا لسبب إلا لمنع الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية من توقيع معاهدة صلح مزعومة. فالحلفاء الغربيون لا يهتمون لأية تسوية على الورق قد يود الروس وضعها مع نظام اصطنعوه وفي أراضي تحتلها جيوشهم ويحكمها عملاؤهم...فإذا كانت هناك أزمة خطيرة في برلين – وهناك أزمة فعلاً- فيرجع سببها إلى كون المصالح الحيوية والتعهدات المقدسة التي قطعتها الدول الغربية على نفسها، وكذلك حرية برلين أصبحت مهددة. إننا لا نستطيع أن نهمل هذه التعهدات ولكننا نعتقد بأنه يمكن الوصول إلى تسوية سلمية...إننا نبحث الآن في احتمالات المفاوضات، وإذا كان الذين أثاروا هذه الأزمة يرغبون في السلام، فسيكون هناك سلام وحرية في برلين ."
وهكذا فإن كينيدي عندما ذكر لسالنجر بأنه يفهم من مضمون رسالة خروتشوف بأنه ليس متعجّلاً على توقيع معاهدة سلام مع ألمانيا الشرقية، فهو لم يكن يعتزم ثنيه عنها وإنما كان يريد تأخيرها فقط حتى يتوفر له الوقت الملائم لإبعاد خروتشوف عن التفكير بعدم احترام حقوق الغرب في برلين الغربية في حال توقيع مثل تلك المعاهدة، فالغرب لن يعترف رسمياً بالجدار بأي حال، لكن الدعوة لإزالته ستنتفي الحاجة إليها في حال عدم تعرض حقوق الغرب للخطر ولم تتهدد حرية برلين، مما يضمن مصالح الطرفين.
لكن يبقى القلق من احتمال انفلات الأمور من أيدي كينيدي وخروتشوف فيما لو وقع حادث خطير في برلين ما شأنه أن ينسف جميع مراحل التسوية من أساسها، ويجعل الطريق المأمول نحو نهاية الأزمة طويلاً إن لم يصبح مستحيلاً، فطالما تتواجد الدبابات على جانبي السور في حالة استنفار دون وجود مؤشر ملموس يوحي بانفراج الأزمة، فكل شيء يبقى وارداً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق