حدث ذات يوم في طهران


وضاح الأبرش 1 ديسمبر 2008

" في الصباح الباكر لهذا اليوم، بدأ الحلفاء الهجوم على الواجهة الشمالية الغربية لمعقل هتلر في اوروبا، النبأ الرسمي الاول ورد عند التاسعة والنصف عندما اصدرت القيادة العليا لحملة الحلفاء العسكرية بيانها رقم واحد: تحت امرة الجنرال أيزنهاور، القوات البحرية الحليفة مدعومة بقوات جوية هائلة بدأت بالانزال للجيوش الحليفة هذا الصباح على الشاطيء الشمالي لفرنسا."
جون سنيج، هيئة الاذاعة البريطانية، 6 حزيران 1944.

" ليس علي أن أروي لكم القصة، كلكم تعرفونها جيدا.. فقط نوعين من الاشخاص سيبقون على هذا الشاطيء : أولئك الذين ماتوا وأولئك الذين سيسلكون طريقهم الى الموت "
البريغاديير جنرال نورمان كوتا، اليوم الاطول (1962) اخراج داريل زانوك

السادس من حزيران عام 1944، الآلاف من جنود قوات الحلفاء تبدأ الهجوم البرمائي الاكبر في التاريخ في عملية إنزال على شواطيء النورماندي شمال فرنسا، لارساء موطيء قدم للقوات الحليفة على الاراضي الفرنسية المحتلة من قبل المانيا النازية. الانزال في النورماندي والذي شفر بإسم "عملية نبتون" شكل الحلقة الاولى من مسلسل غزو الاراضي الاوروبية المحتلة من قبل الالمان، وكان شارة البداية لما سمي "عملية الرب الأعلى" والتي اتخذ القرار النهائي حولها بين قادة كل من الاتحاد السوفييتي، بريطانيا والولايات المتحدة سراً عند سفوح سلسلة جبال البرز المعتمرة بالثلوج، في طهران 30 نوفمبر 1943.

على الرغم من اعلان ايران حيادها في 1939، فقد كان الشاه رضا بهلوي متعاطفا علنا مع هتلر ومتأثرا بالطراز الحديث للدولة في المانيا، وكان هناك مئات من الالمان ممن انخرطوا في المساعدة بتطوير جميع مناحي الدولة من تجهيز المصانع إلى بناء الجسور مرورا بتأسيس البنية التحتية لطرق سكك الحديد. ومن الناحية العسكرية، فقد ساهم الالمان في تجهيز قسم كبير من العتاد العسكري الايراني، الذي اشتمل على صنف خاص من المسدسات الحربية طراز لوجر كانت قد صممت خصيصا للجيش الايراني، اضافة لاعداد من طائرات جانكر تم بيعها لايران. عدا أن الالمان الذين كانوا على دراية بالعواطف المضادة للبريطانيين في الشرق الاوسط عموما، لم يترددوا في إذكاء المشاعر الوطنية عبر موجات الراديو باللغتين العربية والفارسية. وهكذا فقد رفض الشاه رضا تلبية رغبات الحلفاء بتأمين خط عبور في الاراضي الايرانية واستخدام خط سكة الحديد بين الشمال والجنوب لنقل الامدادات والتعزيزات لمساعدة الروس ضد المانيا النازية. وعقب انذار قصير، قامت القوات البريطانية من جهة الجنوب والروسية من الشمال في الخامس والعشرين من آب 1941 بدخول الاراضي الايرانية عنوة. حقول النفط في عبدان سرعان ما وقعت تحت سيطرة البريطانيين الذين قاموا بتدمير الاسطول الحربي الايراني بشكل كامل.

احتلال الحلفاء لايران، تمخض عنه اجبار الشاه رضا على التنحي عن العرش لصالح نجله ولي العهد محمد رضا بهلوي الذي ادى اليمين امام البرلمان الايراني في 16 سبتمبر 1941.منذ ذلك الحين، تمت السيطرة على القوات العسكرية الايرانية من قبل قوات الحلفاء فيما تم اشراك الحكومة الايرانية في الحرب ضد المانيا النازية. الاتفاق الثلاثي الذي وقع في 1942 بين بريطانيا روسيا وايران، وضع شروطا تلتزم القوات الحليفة بموجبها بمغادرة ايران خلال الستة اشهر التي تلي نهاية الحرب. وقد أمن احتلال ايران تدفق حوالي خمس ملايين طن من الامدادات الحربية الى الاتحاد السوفييتي عبر الممر الفارسي.

بحلول عام 1943، بدأ الطموح الالماني بالسيطرة على العالم بالانحدار عقب تقهقر الروح المعنوية للقوات الالمانية التي اجبرت على التراجع عن الجبهة الشرقية لدى استسلام الجيش الالماني السادس في الثاني من فبراير 1943 في موقعة ستالينغراد. مع ذلك فقد كان الاصرار الالماني لا يزال قويا لكن مع نهاية تلك السنة، وبدا الوقت وقد حان لعقد مؤتمر يجمع بين الحلفاء الكبار في الحرب الاتحاد السوفييتي، بريطانيا والولايات المتحدة اعلى المستويات بهدف الاتفاق على أجندة عسكرية موحدة. وقد تم الاتفاق على عقد ذلك اللقاء التاريخي في طهران، التي تكون بذلك قد ضمت الاجتماع الاول من نوعه بين هؤلاء القادة في الحرب العالمية الثانية.

لم تكن مدة المؤتمر مقررة، خصوصا ان كلا الاميركيين والبريطانيين كانوا متآلفين مع الانماط المطولة للاجتماعات، لكن الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين شدد بشكل متكرر على انه لا يستطيع مغادرة موسكو مدة طويلة، حتى أنه احجم عن التعليق على استعداد الرئيس روزفلت للبقاء في القمة لأربعة ايام.

المارشال ستالين الذي طالما رفض بأن يرهن حياته لمهارة طيار، اضطر للقيام برحلته الجوية الاولى انطلاقا من باكو بأذربيجان، ثلاث مقاتلات واكبت طائرته حتى مطار قلعة مرغي في ضواحي طهران. ستالين كان قد غير موعد قدومه من 28 الى 26 نوفمبر ليصل ايران قبل روزفلت وتشرتشل بيوم واحد، كي يبدو راعيا للقمة.

حين علم الشاه البالغ من العمر اربع وعشرين عاما بأن الثلاثة الكبار سيجتمعون في طهران كان شديد الابتهاج، لكن الحلفاء رفضوا مراسم الاستقبال في المطار خوفا على سلامتهم، وكذلك عرض الشاه تخصيص قصر غولستان في طهران كمقر ضيافة لزائريه المميزين. المقتضيات الاستراتيجية المحتملة لمؤتمر طهران، كانت كفيلة بتأليب الشرطة السرية الالمانية لتدبير مكيدة ما وهو ما أيقنه الحلفاء جيدا.

ولاسباب امنية، امضى الرئيس روزفلت ليلة واحدة فقط في مقر البعثة الاميركية، فقد قبل دعوة ستالين للمكوث في مقر السفارة السوفييتية. كان مقر البعثة الدبلوماسية الاميركية في طهران في ضواحي المدينة، فيما السفارتين البريطانية والسوفييتية كانتا ولا تزالا في ذات المنطقة يفصل بين كل منهما ما يقارب كيلومتر واحد، لو بقي روزفلت في مقر البعثة الاميركية هو او ستالين وتشرشل كان يتعين عليهم قطع المسافة عبر شوارع طهران الضيقة في ذلك الوقت حيث العملاء النازيين من الممكن لهم بسهولة التواري في احد الحشود، وهو ما سيحمل الاميركيين أي مسؤولية بشان ما قد يقع على ستالين وتشرتشل، ناهيك عن افشال القمة. فقد كانت طهران في ذلك الوقت متخمة باللاجئين من اوربا التي دمرتها الحرب، وقسم عظيم من هؤلاء كانوا من اغنياء الناس الذين هربوا خوفا من الحرب. كان هناك حوالي عشرين الفا من الالمان في ايران، وكان عملاء النازيين يتخفون ضمنهم.

حين دخلت القوات السوفييتية ايران في 1941 فقد اعتقلت حوالي 400 من العملاء الالمان، بما فيهم قائدهم فرانز ماير الذي حاول الفرار عبر نفق تحت الارض وتخفى فيما بعد متنكرا بلحية ويعمل حفار قبور قي مقبرة أرمنية.

قرب منتصف ليلة 27 نوفمبر طلب فاياشسلاف مولوتوف وزير الخارجية السوفييتي من وليام هاريمان والسير ارشيبالد كلارك كير سفيري الولايات المتحدة وبريطانيا لدى الاتحاد السوفييتي موافاته في السفارة الروسية بطهران.
هناك اخبرهم بأن الروس قد كشفوا خطة لعملاء المان في طهران خططوا وجهزوا للقيام بعمل ما من المرجح انه سياخذ شكل محاولة اغتيال على واحد او اكثر من القادة خلال تنقلهم بين الاجتماعات.رغم اعتقال ثلاث من القتلة الا ان الخطر يبقى داهما بسبب وجود اخرين طلقاء، كما زعم مولوتوف. وهكذا كان امن القادة الثلاث على المحك وكان على الحلفاء اتخاذ اجراءات مضادة مناسبة.

حين علم وزير الخارجية البريطاني انتوني ايدن بالخطة استحث الاميركيين على التحرك، وطلب ستالين من روزفلت ان يختار بين احدى السفارتين. في حين كانت السفارة البريطانية بالكاد تكفي لاستيعاب الوفد البريطاني، فقد كانت مساحة تلك السوفييتة تفوقها باربع او خمس مرات وفيها كل المتسع لاستضافة كامل الوفد الاميركي، وهكذا فقد اختار الرئيس روزفلت الاقامة في السفارة الروسية.

المخابرات الالمانية علمت بزمان ومكان المؤتمر في منتصف اكتوبر 1943 بعد كسر شيفرة البحرية الاميركية.
أوكل تخطيط القيام بعملية اعتداء الى المقدم أوتو سكورزيني، منفذ عملية الابروزي الجوية الجريئة التي تم خلالها انقاذ زعيم ايطاليا الفاشي بنيتو موسوليني. سكورزني تلقى التعليمات بخطف او قتل الثلاث الكبار في طهران.

تلقت موسكو برقية عن خطة ضد القادة المتحالفين، من القوات السوفييتة الخاصة التي كانت تخوض حرب عصابات في غابة روفنو في اوكرانيا وكان من ضمنهم ضابط المخابرات السوفييتي نيكولاي كوزنيتسوف الذي انتحل شخصية ضابط الماني بإسم بول شيبرت ومن ثم اصبح مقربا من قائد كتيبة ألماني اسمه أولريك فون اورتيل، والذي وعد بتقديمه الى سكورزيني.

وفيما كان بحالة سكر شديد، تفاخر اورتيل بانه كان في طريقه الى ايران بسبب اجتماع القادة الثلاثة:
" سنعيد قفزة الابروزي.. لكنها هذه المرة ستكون القفزة الطويلة! سوف نقوم بتصفية ستالين وتشرشل ونقلب تيار الحرب! سوف نقوم باختطاف روزفلت لنساعد الفوهرر على عقد صلح مع اميركا. سنقوم بالطيران في عدة جماعات، لقد تم تدريب الافراد في مدرسة خاصة في كوبنهاغن "

زعمت المخابرات السوفييتية بأنها نجحت في تحديد موقع فريق الانزال الالماني الاول المؤلف من ستة افراد في سلاح الاشارة قرب مدينة قم التي تبعد اكثر من تسعين كيلومترا عن طهران، وانه من ثم تم تعقب افراد هذا الفريق الذين توجهوا الى العاصمة الايرانية ممتطين الجمال محملين بالاسلحة، حيث كانت هناك فيللا مجهزة لاقامتهم. ولدى اعتراض الرسائل اللاسلكية المتبادلة بينهم وبين برلين، تبين انه يجري التحضير لانزال ثاني لتنفيذ عمل تخريبي، وانه كانت قيادة هذا الفريق موكلة الى سكورزيني الذي قام قبل ذلك بزيارة طهران لدراسة الوضع عن كثب.

روى السوفييت بأن مخابراتهم تمكنت من اعتقال الفريق الالماني الاول وأجبروهم على الاتصال بقيادتهم وارسال تقرير بفشل العملية، وان ذلك هو ما ادى الى الغاء ارسال الفريق الثاني بإمرة سكورزني، ما احبط بالنتيجة خطة استهداف القادة الثلاث، التي كانت احدى السيناريوهات المبدئية لتنفيذها تتضمن تنكر احد العملاء النازيين بهيئة مصور صحافي يحمل كاميرا يخفي مقبضها مسدسا، بحيث يتم اطلاق النار منه على القادة الثلاث خلال احدى مناسبات التقاط الصور.

على الرغم من ان طهران كانت لوقت طويل مركز لنشاطات المخابرات الالمانية فان اسلوب وتوقيت كشف مولوتوف للخطة النازية المزعومة فتح المجال امام احتمال بأن تكون القصة ملفقة بشكل أو بآخر. ففي حين بدا وكأن روزفلت لم يكن مقتنعا بجدية التهديد، فقد سأل السفير وليام هاريمان مولوتوف ساخرا ان كان قد حلم بتلك الخطة. فمن المحتمل ان ستالين اراد ان يبقي روزفلت تحت عينيه حيث لا يكون امامه كثير من الوقت للتخطيط مع البريطانيين.

بالنتيجة، تم عقد المؤتمر في السفارة السوفييتية التي كان مكانا مثاليا للمحادثات السرية. حيث تبدو من الداخل مثل شقة فخمة محاطة بجدران حجرية وابنية بلون آجري فاتح تناثرت على امتداد المنتزه الذي تشرف عليه السفارة في قلب طهران.

في الخارج، ضرب الجنود السوفييت حصارا على الشارع بدروع بلغ طول كل منها 6 امتار وقاموا ببناء ممر مؤقت بين البعثتين الدبلوماسيتين الروسية والبريطانية تحت حراسة مضادات الطائرات والمسلحين ببنادق رشاشة. اربع حلقات امنية احاطت السفارتين، ولم يكن باستطاعة احد الاختراق.

الانباء حول مؤتمر طهران لم تنقل الا بعد نهايته بثلاث ايام، وتم ذلك في اعلان عبر راديو موسكو. كان اهم حدث تخلل المؤتمر هو فتح جبهة جديدة في الحرب، من شأنها تخفيف الضغط على القوات السوفييتية التي كانت لا زالت تقاتل بضراوة على الجبهة الشرقية. وهو ما دخل حيز التنفيذ في منتصف العام التالي. في حين لم يتم الكشف عن بقية تفاصيل ما تمت مناقشته الا بعد ان وضعت الحرب اوزارها.

مؤتمر طهران أنهى أعماله في الحادي من ديسمبر 1943، بعد أن جمع ما بين رؤى القادة الثلاث ستالين وروزفلت وتشرشل في استراتيجية عسكرية موحدة سيتم التنسيق في اطارها عن قرب بين جيش البلدان الثلاث.

تمثلت ابرز نقاط ما تم الاتفاق عليه في:
1- دعم مناصري الحلفاء في يوغوسلافيا بالامدادات والتجهيزات والعمليات التي تقوم بها القوات الخاصة.
2- دعوة تركيا للانضمام الى الحرب الى جانب الحلفاء، حيث سيتم دعمها من قبل الاتحاد السوفييتي.
3- وعد بريطاني واميركي لستالين بارسال القوات الى اوربا الشرقية في ربيع 1944
4- تعهد الاتحاد السوفييتي بشن الحرب على اليابان بمجرد هزيمة المانيا.
5- مراجعة الحدود البولندية الالمانية بحيث تتم اعادتها وفقا لما كانت عليه سنة 1920
6- كما تم الاتفاق مبدئيا على انشاء منظمة للامم المتحدة.

مؤتمر طهران شهد ايضا مراسم خاصة قدم خلالها وينستون تشرشل لستالين سيفا يخلد ذكرى الانتصار في معركة ستالينغراد كهدية من الملك جورج السادس لمواطني ستالينغراد وشعب الاتحاد السوفييتي. لكن حين تسلم ستالين السيف فقد امسكه بكلتا يديه وقبّل الغمد ومن ثم سلمه ليد المارشال فوروشيلوف الذي.. افلته واسقطه ارضا.

كما تم الاحتفال بعيد الميلاد التاسع والستين لرئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرتشل في 30 نوفمبر، حيث اقيم عشاء خاص في تلك المناسبة. خلال العشاء الثلاثی قام ستالين بوخز تشرشل بسبب مرونته الواضحة تجاه الالمان، عبر اقتراح اعدام من 50 الف الى مئة الف ضابط الماني، وهو ما حدا روزفلت للتعليق مازحا بأن 49 الفا سيكون عددا كافيا يؤدي المطلوب. لكن تشرشل ابدى استنكاره بالمقابل لفكرة الاعدام لاسباب سياسية، وعارض بجسارة تنفيذ الاعدام بدم بارد للجنود الذين قاتلوا لاجل بلادهم، وشدد على وجوب محاكمة مجرمي الحرب في مكان ارتكاب جرائمهم.

عقب المؤتمر، وفي لفتة لم يفطن أي من روزفلت وتشرشل لمثلها، قام ستالين بزيارة قصر الشاه ليشكره على حسن ضيافته. كانت مثل تلك الخطوة بغاية الاهمية ما ترك ابلغ الاثر لدى المجتمع الايراني. وقد روي بأن الشاه قد اسر بهذه اللفتة حتى انه كان على وشك تقبيل يد المارشال ستالين لدى الترحيب به.

الاهمية التاريخية لمؤتمر الثلاثة الكبار في طهران كانت هائلة حيث مصائر ملايين الناس ومستقبل العالم كانوا على المحك.

" نحن نعبر عن تصميمنا بأن تعمل بلداننا معا في الحرب والسلام الذي سيليها... أتينا هنا محملين بالأمل والتصميم. ونغادر كرفاق حقيقيين، في الروح وفي الهدف "
البيان المشترك للقادة الثلاث ستالين، تشرتشل وروزفلت، الاول من ديسمبر 1943، طهران.

ليست هناك تعليقات: