المناظرات: تاريخ من المجازفات عبر الكاميرا الحية 6


وضاح الأبرش 3 تشرين الثاني 2008

" هذه الليلة ستكون مخصصة بصورة اساسية للسياسة الخارجية والامن القومي، التي حسب التعريف تشمل الازمة الاقتصادية العالمية... السجالات المباشرة بين المرشحين ومن ثم تعقيب الوسيط مسموح بها بعد ان يكون لدى كل من المرشحين دقيقتين للاجابة على السؤال الرئيس بمداورة تحدد حسب رمية قطعة نقدية... الحضور هنا في القاعة وعدوا بالتزام الصمت، لا هتافات، لا تصفيق، لا ضجيج من أي نوع.. باستثناء الآن ونحن نرحب بالسناتور أوباما والسناتور ماكين."
جيم ليهرر مفتتحا المناظرة الاولى بين أوباما وماكين في جامعة ميسيسيبي، اوكسفورد، 26 سبتمبر 2008.

شكل اداء اوباما في المناظرة الاولى صدمة للكثيرين من انصاره، فقد بدا وكأنه لم يعد العدة جيدا لأي تعجرف محتمل قد يبديه ماكين.
حين توجه المرشحان لمصافحة بعضهما اول المناظرة، رفع اوباما يده ملوحا للجمهور وهو يكمل طريقه باتجاه منافسه وكأنه يقول للحضور: أنا قادم للتحدث امامكم.. معه (ماكين).
أما ماكين فلم يلتفت للجمهور بل تابع طريقه نحو اوباما بنظرات ثابتة.. وبدا وكأنه يقول: أنا قادم للنيل منك.. أمامهم! وحين أتت لحظة المصافحة، رحب اوباما بحرارة بغريمه الذي اكتفى بمبادلته نظرة سريعة قبل ان يشيح بابتسامته الصامتة عنه باتجاه الجمهور.

مواضيع النقاش التي تم تناولها في المناظرة تضمنت سبل الخروج من الازمة الاقتصادية التي كانت تمر بها الولايات المتحدة والسياسة الضريبية وامن الولايات المتحدة والوضع في العراق وافغانستان وايران، والخلاف حولها ارتكزعلى تشكيك كل من المرشحين بمدى اهلية الاخر في دخول البيت الابيض.

ماكين توجه في غالب الأحيان إلى أوباما متحدثا عنه بصيغة الغائب. كان يستهل كل تعليق او جواب بعباره : إنه(اوباما) لا يفهم كذا.. اولا يستطيع أن يفهم.. لا يستطيع التفرقة بين هذا وذاك. وفي بعض الاحيان وصفه بالساذج، كما حصل حين انتقد موقفه إزاء الغزو الروسي لجورجيا الشهر الفائت ومطالبته الدولتين بضبط النفس، على سبيل المثال. كما انه لم ينظر الى اوباما بشكل مباشر على الاطلاق على امتداد المناظرة وكان يبتسم باستهزاء كلما تولى خصمه الذي يصغره بـ25 عاما الكلام.
اوباما ولدى كل اجابة، كان يضم اصابعه الاربعة الى ابهامه، محركاً راسه كمن يحاول عبثا اقناع الطرف الاخر بوجهة نظره، محولاً وجهه يمنة ويسرة بين المحاور جيم ليهرر وبين مكاين. وبدا وكأنه يقول دعوني أتكلم، فليستمع احد إلي.. أنا هنا.. لدي فكرة يجب ان اوضحها، والسبب الاساس كان على ما يبدو شعوره بالمرارة والحيرة جراء تجاهل مكاين له.

السناتور ماكين أفلح في جر اوباما بدهاء ليثني على بعض مواقفه، فحين كان يأتي دوره قبل أوباما في الجواب على سؤال ما فقد كان يقوم في سياق الاجابة بالمزايدة في ترديد بعض المثاليات حول الوطنية، وهو ما سيجعل اوباما بالضرورة يسارع لتأييد تلك النقاط في في خطاب ماكين حتى لا يبدو وكأنه يضع المنافسة بالمقام الاول على حساب مثل المواطنة.
أوباما: " ... السناتور ماكين هو محق بشكل مطلق بأن العنف قد انخفض كنتيجة للتضحية الهائلة لقواتنا وعائلاتهم.."
لكن حين انتقد ماكين اوباما لعدم حضوره أي من جلسات لجنة الكونغرس التي تشرف على قوات الناتو في افغانستان رغم عضويته فيها، فقد ارتكب أوباما هفوة تمثل سابقة في تاريخ المناظرات الرئاسية. فقد أقحم المرشح الديمقراطي زميله على البطاقة الانتخابية فيما يفترض انه اكبر من الدور المنوط به نظريا.
أوباما: " انظر.. انا فخور جدا باختياري لنائب الرئيس، جو بايدن، الذي هو رئيس للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ... "
الا أن أوباما نجح في تجنب محاولات خصمه جره إلى الإجابة، حول ما إذا كان يدعم خطة الإنقاذ البالغة تكاليفها 700 مليار دولار ورفعتها الإدارة الأمريكية أمام الكونغرس للموافقة عليها، مكتفياً بالقول إن التفاصيل النهائية حول الاقتراح لم تتضح بعد.
حين انتهت المناظرة، بدأ ماكين بالتصفيق مع الجمهور بينما انهمك اوباما بالاستعداد للتوجه نحو اليه لمصافحته. مشى اوباما متثاقلا نحو زوجته وكانه يقول هذا ما استطعنا ان نفعله اليوم وما باليد حيلة باكثر من ذلك فيما غمز ماكين للجمهور. وبالمحصلة، فقد عامل ماكين أوباما في المناظرة الاولى باحتقار بالغ.

فصلت بين المناظرات الرئاسية الثلاث، مناظرة وحيدة اجريت بين المرشحين لمنصب نائب الرئيس، السناتور الديموقراطي المخضرم جوزف بايدن عن ديلاوير و حاكمة ولاية ألاسكا سارة بالين، فقد كان الاثنان معزولين لأيام في معسكر تدريب للتحضير للمناظرة الأولى والوحيدة التي ستجمعهما قبل الانتخابات الرئاسية.
وفيما كانت بالين تقضي أيامها بعزلة عن الصحافة والحملة الانتخابية في مقر إقامة ماكين في مدينة سيدونا في ولاية اريزونا، محاطة بكبار المستشارين السياسيين، كان بايدن يتمرن في مدينة ويلمنغتون في ولاية ديلوار، مع عدد من المستشارين، وعدد أكبر من النساء، من بينهن شقيقته فاليري، لمواجهة امرأة من دون أن يبدو متعاليا او متذاكيا. وحرص بايدن على الاستماع وأخذ نصائح سياسيات نساء قبل المناظرة، مثل هيلاري كلينتون، وحاكمة ولاية ميشيغان جينيفر غرانهولم، وجيرالدين فيرارو، أول امرأة ترشحت لمنصب نائب الرئيس والتي عانت هي نفسها من تسلط جورج بوش الاب الذي شاركت معه في مناظرة، وذلك لتفادي الدخول في نقاشات قد تعود عليه بالاساءة.

في الثاني من اكتوبر 2008، أقيمت في جامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميسوري المناظرة التلفزيونية بين بايدن وبالين. أدارت المناظرة صحفية من العرق الاسود من هيئة التلفزيون العامة بي بي اس، جوين ايفيل مؤلفة كتاب: الاختراق، السياسة والعرق في عصر أوباما.
تباينت مواقف كل من المرشحين بشدة حول اغلب القضايا التي تناولتها المناظرة من الوضع الاقتصادي الى البرنامج النووي الايراني مرورا بالطاقة والتغير المناخي. استطلاعات الرأي التي أجرتها شبكتي سي ان ان وسي بي اس التلفزيونيتين مباشرة عقب المناظرة التلفزيونية بين بالين وبايدن اظهرت بان الاخير خرج من المناظرة منتصرا. سارة بالين والتي اظهرت استطلاعات الرأي انخفاضا في شعبيتها بسبب شكوك الناخبين في قلة خبرتها السياسية، شكلت المناظرة بالنسبة لها حدثا غير مسبوق. فعلى الرغم من تفوق بايدن فقد كان أداءها افضل من المتوقع، وظهرت أكثر ثقة مما كانت عليه في لقاءاتها التلفزيونية الأخيرة. وربما أتى ذلك ثمرة الأسبوع السابق الذي قضته في مزرعة ماكين باريزونا وهي تستعد لتلك المناظرة التي جذبت 52 مليون مشاهد أمريكي.

وبالعودة الى اجواء المناظرة، فقد ترافقت اجابات سارة بالين على الاسئلة بابتسامة لم تفارق محياها عدا انها كانت تغمز بعينها اليسرى وهو ما شوش ربما على اجهزة استقبال كثيرين ممن كانوا يتابعون مفردات الكلام، كما من الواضح بان هناك من أوصاها وبشدة بألا تحول عينيها عن الكاميرا ربما بهدف ترك أبلغ انطباع لدى المشاهد بأنها تتوجه اليه هو دون غيره بالكلام، وأنه يعنيها أكثر من جمهور المناظرة.. وكذلك منافسها وووسيطة الحوار.
بينما بدا بايدن وكأنه عميد كلية يشارك احدى طالباتها في اختبار علني، وكلما تحدثت بالين كانت ابتسامة بايدن العريضة تتحدث من تلقاء نفسها: " أحسنت يا فتاة!"

لم تتضمن المناظرة أي سجال غير متوقع الا ان ما لفت النظر كان اسلوب السؤال الذي تناول مسألة خلافة الرئيس.. عدا عن التباين في الأسلوب الذي اتبعه كل من المرشحين لدى الاجابة، بأكثر مما كان بالنسبة لقضايا الخلاف الاساسية.بالنسبة لأسلوب السؤال فقد كان يتم طرح سياق الخلافة في اطار عام بجميع المناظرات السابقة لمرشحي نائب الرئيس. واذا ما عدنا للمناظرة السابقة عام 2004 لوجدنا أن جوين ايفيل نفسها هي التي ادارت مناظرة المرشحين لمنصب الرئيس وكانا في ذلك الحين السناتور الديمقراطي جون ادواردز ونائب الرئيس ديك تشيني، وطرحت السؤال كالتالي:
ايفيل: " سناتور ادواردز، ما الذي يؤهلك كي تكون على بعد نبضة قلب من الرئاسة؟ "
في المقابل اعتاد مرشحو منصب نائب الرئيس على اعتماد اجابة تقليدية وبصورة تلقائية، وبالنسبة لادواردز فقد كان رده:
ادواردز:" الشعب الاميركي يريد في الرئيس ونائب الرئيس بشكل اساسي ان يحفظو سلامته، وان يكون لديهم حكم جيد على الامور، وانهم سيخبرونه الحقيقة..."

بينما في المناظرة الاخيرة قامت ايفيل باعتماد صياغة اكثر تحديدا لسؤالها:
ايفيل: " ربما أن أكثر لازمة بخصوص نيابة الرئاسة هي انها على بعد نبضة قلب.. الجميع ينتظرون ما الذي يمكن ان يحدث لو أن الأسوء حدث، كيف من الممكن ان يختلف كل منكما عن الاخر... كيف من الممكن ان تختلف ادارة بايدن عن ادارة اوباما فيما لو حدث ذلك.
جوزيف بايدن و في مستهل اجابته، اطرق متجهما وحول نظره لثواني نحو الاسفل، واظهر حقيقة ما يشعر به حين تجاوز المنظور الدستوري التقليدي ليضفي على الاجابة بعداً شخصيا في احتمال تغييب باراك أوباما نفسه.
جو بايدن: " لا قدر الله ان يحدث مثل ذلك على الاطلاق.. سوف يكون ذلك مأساة وطنية ذات بعد تاريخي، اذا كان ذلك سيحصل..."
بعد ذلك مباشرة، بدا بايدن تماما بشكل واضح وكـأنه يقرأ من ورقة محولا نظره بين الاسفل والاعلى خمس مرات: " اذا ما تم ذلك، سوف أحمل على عاتقي سياسة باراك أوباما، سياساته لاعادة الاعتبار للطبقة الوسطى، التحقق من حصولهم على فرصة عادلة، التثبت من حصولهم على ضمان صحي..." وهنا ثبت بايدن نظره للأعلى ليواصل الاجابة مرتجلا.
اما سارة بالين، رغم انها انطلقت في اجابتها ببساطة اكثر لكنها اشارت الى نفس الفكرة المتضمنة في رد بايدن بما لم يسبق له مثيل ايضا في أي من مناظرات نواب الرئيس.
بالين: " "لا قدرت السماء ان يحدث مثل ذلك... مع أي من الحزبين!" وذلك قبل ان تكمل اجابتها بكل تلقائية وكأنها تتحدث عن ردة فعلها فيما لو قدمت لها الحلوى قبل الطعام او بعده، حيث بدأت بالابتسام مجددا حين وصلت لنقطة الاختلاف مع ماكين وهي تقول : "ماذا تتوقعين؟ " لتبدو كمن تلقى سؤال متوقعا في امتحان شفهي، حتى أنه لم يفتها أن تغمز ايضا.

وبالمقارنة مع المرشحة الاولى لمنصب نائب الرئيس عن الحزب الديمقراطي جيرالدين فيرارو 1984، فقد بدت بالين (التي تصغرها بخمس سنوات حين كانت الاولى مرشحة) نسخة مغايرة تماما رغم ان الصدفة حكمت ان تكون كلتاهما تستعمل النظارات. فالاولى كانت سيدة حديدية طالما اتهمتها الصحافة بحدة الشخصية، فيما كان من بين اسباب اختيار بالين ملكة الجمال السابقة الرغبة في اضفاء بعض النعومة على حملة مرشح الجمهوريين.

المناظرة الثانية بين السناتور اوباما والسناتور ماكين، اقيمت في 7 اكتوبر في جامعة بلمونت، ناشفيل ولاية تينيسي.
في افتتاح المناظرة توجه ماكين للقاء اوباما باسلوب مغاير عما تم في المناظرة الاولى، حيث ربت على ذراعه وتمتم مبتسما مرحبا به.

خلال المناظرة التي شارك فيها الحضور بأسئلتهم، وحين كان اوباما يتلقى السؤال سواء من قبل وسيط المناظرة توم بروكاو او من احد الحضور فقد كان يبدأ بمخاطبة السائل والرد عبر المسافة التي تفصل بينهما دون ان ينتقل من مكانه. ينظر للسائل بهدوء و بين الفينة والفينة يحول نظره عنه نحو باقي الجمهور، تماما كأستاذ جامعي يتوجه لمجموعة كبيرة من الطلاب وقد امسك الميكروفون بيده اليمنى بينما باشر بتحريك اليد الاخرى بما يتناغم ويتكامل مع شرح تفصيل افكاره، وقد فعلها أوباما باحترافية عالية ولم يكن اسير نفسه او معزولا عن جمهوره، فقد أبدى قدرة على التواصل ولم يكن ببساطة البرت غور آخر.

اوباما وفي المناظرة السابقة شعر بالمرارة لدى تجاهل ماكين الكامل له وربما اثر ذلك على طريقة عرضه لافكاره ما أخل بالأرضية الصلبة التي ارتكز عليها حين قبل ترشيح مؤتمر الحزب الديمقراطي ووجه التحدي للسناتور ماكين. وهكذا ففي هذه المناظرة كانت الفرصة مؤاتية لباراك كي يستعيد توازنه من جديد.. ماكين وراءه وجمهوره أمامه، منافسه ينزوي في الركن الاخر من المنصة أما ناخبيه فقد كانوا ينصتون اليه بكل اهتمام.

أما السناتور جون ماكين حين كان يسأل من قبل الوسيط فقد فكان يرمش بعينيه كثيرا، يدور حول نفسه، يمسك الميكروفون بيده اليمنى ويضع يده اليسرى على الفور في جيبه ويبدأ بالتنقل مسافات قصيرة حول نفسه بأسلوب يوحي بشعور بعدم الارتياح، ولا ينظر الى احد بعينه بل ويبدو اذا ما حول نظره لقسم من الجمهور في تلك اللحظات وكأنه يسأل هل ينصت احد منكم الي؟ هل يفهم احد ما اقول؟ هل تهتمون بما اقول؟ ومن ثم يدير ظهره ومن ويحاول التوجه للجمهور المقابل.
حقيقة الامر ان الجيوب تمثل عامل توازن مهما بالنسبة للشخص الواقف فهي عنصر طمانينة في ظروف مشحونة بالحدة والغضب. وحين يضع الشخص يديه في جيبه امام الناس فانه بذلك يخفف من عدوانيته حيالهم كما يخفف من عدوانيتهم حياله، الا انه بذات الوقت فان الايدي المحجوبة هي ايدي تلجا الى العنف عندما تظهر، وهي ايدي غير صريحة.
أما حين كان يتوجه اليه أحد من الحاضرين بالسؤال فقد كان ماكين، يطرق للحظات في حركة مسرحية قبل ان يرفع نظره مباشرة نحو السائل. يخاطبه هو دون غيره مركزا على اسمه ومن ثم يبدأ بالتوجه إليه حيث يجلس بتدرج سريع، ومن ثم يدور حوله تماما كديناصور يحوم حول فريسة بأسلوب يباغت الطرف المقابل ويحاول الاستئثار على اهتمامه وتملكه. ألين من فيلادلفيا الذي طرح السؤال الاول تسمرت عيناه حين بدا ماكين يحوم حوله وبدا كانه يتساءل هل سيتوقف الامر على هذا الحد، أم أنه ربما سيعضني؟

وحين كان أوباما يرد على الاسئلة لم يبدو ماكين جالسا طوال الوقت، ففي بعض الاحيان اظهرته الكاميرا واقفا خلف الكرسي او قربه وهو يسند احدى يديه او كلتاهما على حافته وكانه في حالة ترقب وتأهب، فيما ظهر اوباما أثناء اجابات ماكين جالسا منصتا مبتسما بهدوء ببعض الاحيان.

بالمقارنة مع المناظرة الاولى، فقد فاز اوباما في المناظرة. كان مرتاحا، ومتوازنا وواثقا من نفسه، ولم يتمكن منافسه من مضايقته، ولا تغيير أي من قواعد اللعبة.

الا انه لم يحدث أي مواجهة خلال 90 دقيقة استغرقها وقت المناظرة، مع أن المرشحين تجولا فوق خشبة المسرح وشككا في حكم بعضهما بعضا على الاقتصاد والضرائب والطاقة والسياسة الخارجية. وبالنسبة للاسئلة والاجوبة الملفتة في المناظرة، فقد بدا خبث ماكين جليا حين سأل توم بروكاو عما اذا كانت روسيا امبراطورية للشر تحت حكم بوتين.
رد اوباما محاولا رأب ما اتهمه به منافسه في المناظرة السابقة من الليونة مع روسيا فقال:
" انا اعتقد انهم انخرطوا في سلوك شرير وانه من المهم بأن (نفهم) بأنهم ليسوا الاتحاد السوفييتي القديم لكن لا زال لديهم تيارات قومية اعتقد انها بغاية الخطورة "
أما ماكين فقد استفاد في تلك اللحظة ايضا من كون دوره في الجواب اتى في ترتيبه بعد أوباما ليظهر بأنه شخص متأني واقعي وحازم.
ماكين: " ربما.. ذلك يعتمد على اسلوب تعاطينا مع روسيا ويعتمد على الكثير من الاشياء. اذا قلت نعم، فمعنى ذلك اننا نضرم الحرب الباردة القديمة من جديد. اذا قلت لا، معنى ذلك انني اتجاهل سلوكها.."

وحين حاول توم بروكاو الحصول من اوباما وماكين على جواب حاسم بشأن هل سيسوء الوضع الاقتصادي قبل أن يتحسن؟ فقد تجنب كل من المرشحين الخوض في اجابات مباشرة. أوباما اجاب بالنفي قبل أن يسترسل في مدح تفاؤل الشعب الأمريكي وقدرته على تحقيق أي شيء. أما ماكين فأجاب: "هذا يتوقف على ما نفعله" قبل ان يشن هجوما على منافسه.

في نهاية المناظرة تسارع كلا المرشحين ليحيط كل منهما ذراعه بالآخر حتى أنهما سبقا توم بروكاو قبل ان يتمكن من اكمال اختتامه المناظرة: " ... نشكر مضيفينا هنا في جامعة بلمونت في ناشفيل ولجنة المناظرات الرئاسية، وانتما تقفان في طريق شاشة النص.. لو تحركتما.. (تصفيق الحضور)

في 15 من اكتوبر جرت آخر مناظرة تلفزيونية بين اوباما وماكين في جامعة هافسترا في نيويورك. حين دخل كل من المرشحين قاعة المناظرة حيا اوباما الجمهور وتابع طريقه نحو ماكين وقبل ان يلتقي الرجلان قام بمصافحة وسيط المناظرة، في تلك الثواني كان ماكين يسير بثبات بابتسامة ودودة نحو اوباما وكأنه يقول ها انا ذا مستعد لملاقاتك مجددا ومع كل الاحترام، فلم يصافح وسيط المناظرة بل بدا وكأنه يقول لاوباما تعال.. لا تنسى ان تصافحني، وبعد ان رحب كلا الرجلان بالاخر بحرارة جلسا قبالة الوسيط دون ان يصافحه ماكين فقد كان كمن ادى واجبا كان ملقى على كاهله من خلال مصافحة اوباما وبدا يتهيأ للمرحلة الكبرى من المواجهة، التي ناقش خلالها المرشحين سياساتهما الاقتصادية والطاقة والصحة والتعليم ودعاياتهما الانتخابية.

كان "جو السباك" هو الغائب الحاضر في هذه المناظرة. فالمرشح الجمهوري، ولكي يدلل على تواصله مع القطاع العريض من الأمريكيين، ذكر منافسه الديمقراطي بـ"جو السباك" الذي التقاه بعد إحدى مسيراته، وقدمه كمثال الحلم الاميركي وخاطب اوباما: إنك ستزيد الضرائب على كاهل جو وستأخذ من ثروته لتعيد توزيعها على آخرين. وبدا ماكين خلال ذلك وكأنه يفرض وصايته على احد الاطفال الذين هم بسن لا يميزون فيه بين اميركا وكولومبيا.
السباك جو (الذي يعمل بلا ترخيص) كان قد التقى اوباما خلال جولة له في اوهايو وتحادث معه. وبين كل من ماكين وأوباما تردد اسم السباك جو بما لا يقل عن سبع وعشرين مرة!
ماكين: " يريد جو ان يشتري مشروع العمل الذي انخرط به طيلة هذه السنين وهو يعمل لعشر او اثنتي عشرة ساعة في اليوم. لكنه نظر الى خطتك الضريبية ووجد انه سيقوم بدفع ضرائب مرتفعة اكثر في الوقت الذي كان يحاول فيه تجسيد الحلم الاميركي "
مضيف المناظرة: " هل هذا ما تريد فعله؟"
ماكين: " هذا ما يؤمن به جو "
اوباما: " لقد كان يشاهد اعلانات السناتور ماكين... لقد قلت لجو السباك خلال الحوار الذي كان بيني وبينه: خمس سنوات مضت حين كنت في موقع يخولك شراء مشروعك فقد احتجت الى اقتطاع ضريبي لاجل ذلك.. وما أريد فعله هو التأكد من ان السباك، الممرضة، الاطفائي المعلم ... اريد ان اعطيهم اقتطاعات ضريبية الان..."
ماكين: " فيما سيأخذ السناتور اوباما مال جو ويقوم بتوزيع الثروة، فأنا اريد من جو السباك ان يقوم هو نفسه بتوزيع تلك الثروة "

حاول اوباما مرارا وتكرار تجنب التركيز على جو السباك بعكس السناتور ماكين، الى ان بدأ الاخير بنعت جو بالقول (صديقي القديم) وحينها لم يجد اوباما بدا من استهلال رده بالقول :
" قمت فقط بشرح خطتي.. وانا سعيد بالتحدث اليك ايضا جو.."
فقد كان يتوجب على أوباما أن يتواصل مع جو السباك أيضا، وهو إن كان شخصا حقيقيا، فهو نموذج القطاع الأكبر من الناخبين الذين يخشون على منازلهم وأعمالهم ودخولهم، ليؤكد لجو وأمثاله أنه لن يفرض ضرائب جديدة على من تقل دخولهم عن 250 ألف دولار في العام وهؤلاء يمثلون 98% من أصحاب الأعمال الصغيرة في أمريكا.

ان ما لفت النظر في هذه الحوارية التي دارت حول جو وشكلت سياسة الضرائب موضوعا لها، هو ما استجد في مفردات الخطاب السياسي الاميركي: توزيع الثروة! وما قاله جو جو وولزرباتشر نفسه على هامش ذلك في الدقائق الخمسة عشر من الشهرة التي تحدث خلالها في مقابلة إذاعية قائلا لكل من يسمعه وهم كثر آرائه حول أمريكا مثل: أمريكا هي أعظم دولة موجودة على الأرض، وما فعلناه في العراق مدهش، و..سياسات أوباما هي خطوات باتجاه الاشتراكية! "

وبالعودة لاجواء المناظرة، فحين اتهم اوباما ماكين بأنه يسعى لاستمرار نفس السياسات الاقتصادية التي كانت لبوش مذكرا بتصويت ماكين لاربع مرات من اصل خمسة لصالح موازنات الرئيس بوش. فقد رد ماكين بحزم وحدة :" سناتور اوباما.. لست الرئيس بوش، اذا كنت تريد منافسة الرئيس بوش كان يتعين عليك القيام بذلك قبل اربع سنوات، سوف اقوم بجلب اتجاه جديد الى اقتصاد هذه البلاد "
الا ان اوباما رد بهدوء:" حقيقة الامر انه حين اسقط سهوا سياسات جورج بوش على سياساتك فالسبب هو انك كنت مناصرا شرسا للرئيس بوش"

وحين بدأ ماكين بالسجال حول الاتهامات التي سادت الحملة، فقد اظهر اوباما عدم اكتراثه بمناقشة تفاصيل لا تخدم الشعب الاميركي في شيء.
جون ماكين: " النائب جون لويس ردد مزاعم عني وعن سارة بالين وربطنا بأسوء فصل في التاريخ الاميركي.. التمييز العنصري، كان ذلك بالنسبة لي جرحني للغاية"
اوباما: " اعتقد بان الشعب الاميركي لديه اهتمام اقل بمشاعرنا المتأذية خلال سياق الحملة الانتخابية، من التحدث حول القضايا التي تهمه بصورة عميقة "
الا انه مع اصرار ماكين، فقد رد اوباما بفتح النار متطرقا الى واحد من اقسى العبارات التي صدرت بحقه في حرم الحملة الانتخابية للجمهوريين.
اوباما: " في بعض المهرجانات الانتخابية لشريكتك في السباق، تردد صراخ حول اسمي مع عبارات (ارهابي) و(اقتله) وشريكتك في السباق لم تحاول ايقاف ذلك وان هذا خروج عن الخط "

بوب شيفر من شبكة سي بي اس التلفزيونية سأل حول رأي ماكين وأوباما في صفات المرشحين لمنصب نائب الرئيس.
شيفر: " أتوجه لكلا منكما بالسؤال التالي.. سأبدأ معك سناتور أوباما، لماذا قد تكون البلاد بحال أفضل، اذا اصبح شريكك في السباق رئيسا اكثر من لو بقي شريكا في سباق؟ "
اوباما: " حسنا.. جو بايدن كما اعتقد هو احد افضل واكثر من أدى الخدمة في الحقل العام في هذه البلاد... أتى من سكرانتون مقاتلا بالنيابة عن العائلات العاملة...وهكذا فبالنسبة للقضايا الاساسية الهامة لدى المواطن الاميركي، كان جو بايدن على الدوام في الجانب الصحيح، واعتقد انه سيكون رئيسا رائعا اذا، لا قدرت السماء، حصل خطب لي."
أما ماكين فسرد مميزات وخبرات سارة بالين وقال إنها إصلاحية، ناقشت صفقة نفط كبرى في ولاية آلاسكا ونجحت. وأنها تفهم احتياجات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (في إشارة الى ابنها المنغولي) وأن زوجها رجل قوي للغاية.. وتوقف عند ذلك الحد دون ان يصل الى مرحلة فيما لو اصبحت رئيسة.

خلال اجابة اوباما على الاسئلة كان ماكين ينظر اليه طول الوقت وهو يرمش بعينيه مبتسما بتصنع وعصبية وبنفس الوقت اما يضم يديه بقوة كمن هو بموقع دفاع او يقوم يتدون ملاحظاته بتقطع وعصبية، بينما بدا اوباما خلال اجابات ماكين يبتسم بهدوء فإذا ما دون ملاحظة لم يرفع نظره لحين الفراغ منها، لقد ذكر المشاهدين الى حد كبير بالسناتور جون كينيدي في مناظرته الكبرى مع نيكسون عام 1960، باختصار بدا سلوك اوباما هذه المرة: رئاسياً!

لدى انتهاء المناظرة، نهض ماكين بسرعة وطفق يقول بصوت عال لاوباما وهو يربت على ذراعه : " عمل جيد، ابليت بلاء حسنا.. عمل جيد! " هل كان يا ترى يقول له ذلك باحساس جوزف بايدن حين كان يناظر بالين؟ أم كان السناتور يقولها للسيد الرئيس؟

أبصرت النور استجابة لضروريات السياسة، انها المناظرات العلنية على طريق السباق لأجل المنصب الاعلى في الولايات المتحدة. هي اختبار وطني دقيق لقدرة المرشحين على توصيل رسالتهم وتجنب السقوط في هفوات سلوكية محتملة. ومن المهم ان ندرك طريقة عمل السياسة والاعلام في اميركا، حيث الاعلام ليس فقط انتاجا للصور والمشاهد بقدر ما هو يفضح اي تعرج في الصورة. يقول البروفسور الان شرويدر مؤلف كتاب: "المناظرات الرئاسية التلفزيونية: خمسون سنة من المجازفات: " بالتأكيد فان كل مناظرة تنطوي على مجازفة. من المتعذر بشكل مسبق تخمين إلى ما ستنتهي، ومن سيفوز، اي تصرف متهور، اي زلة لسان، اي نظرة تعجرف، او حتى بلاهة. كلها قد تحسب ضدك". في النهاية، معظم المرشحين درسوا وتمرسوا وكان تدفق اجاباتهم مشهود له كم كان مسنونا بعناية، لكن قد تبرز مع ذلك لحظات غير متوقعة من المناظرة، لتعيش في الذاكرة الجماعية لكل من المشاركين و المقترعين.. فالسياسيون يعيشون ويموتون كإيقاعات نبضية رمزية.

ليست هناك تعليقات: