نهاية القصة: وداع عهد بوش تم في بغداد

وضاح الأبرش 18 ديسمبر 2008

" - سيدي الرئيس، ما هو المكان الذي تعتقد أنك ستحتله في التاريخ؟
- التاريخ؟ في التاريخ، سنكون كلنا أمواتاً ! "
حوار بين مراسل صحفي والرئيس بوش في فيلم دبليو (2008) اخراج أوليفر ستون

سجل التاريخ الاميركي اغتيال اربعة من رؤساء الولايات المتحدة، واستهداف جدي ومباشر لأربعة آخرين. الرئيس جورج دبليو بوش استهدف ايضا بصورة مباشرة، وقد حصل ذلك مرتين: احداهما كانت من نسج الخيال في فيلم بريطاني مثير للجدل من انتاج غابرييل راينج، والاخرى كانت حدثا بث على الهواء، ليشكل بعد ثوان معدودة خبرا عاجلا تصدر النشرات الرئيسة في جميع شبكات التلفزة حول العالم، سيسجل في التاريخ كمحطة تؤشر الى فترة رئاسة امتدت ثماني سنوات.

" الدراما اتخذت شكل السرد التوثيقي الذي يرجع بالزمن للوراء الى 19 اكتوبر 2007 حيث اغتيال بوش بعد القائه خطابا في رجال الاعمال في شيكاغو. اصطدم بوش بمظاهرة هائلة ضد الحرب في العراق، وأردي قتيلا من قبل قناص فيما كان يغادر المكان. موت رئيس سيثير الضوضاء لدى عرضه للمرة الاولى في مهرجان تورنتو السينمائي الشهر المقبل "
الغارديان البريطانية، 31 آب 2006.

" بوش يتعرض للهجوم بفردتي حذاء، الرئيس الأميركي تلقى زوجي حذاء تم رميه بهما في مؤتمر صحفي... بوش انحنى حين طار الحذاء الأول فوق رأسه، ليضرب الجدار خلفه. ثم انحنى مجددا لتفادي الحذاء الثاني فيما رجال الأمن العراقيين انقضوا على المهاجم وطرحوه أرضا "
الغارديان البريطانية، 15 ديسمبر 2008.

اعتبره الكثير من المؤرخين الرئيس الاكثر سوءا في التاريخ الاميركي، إدارته أصبحت هدفا للكثير من الانفعال والغضب من الديموقراطيين والجمهوريين والمستقلين والأجانب وسكان المريخ. في اوائل 2004 اظهر استطلاع غير رسمي اجرته مؤسسة غير حزبية تابعة لجامعة جورج ميسون وشمل 415 مؤرخاً بأن 81% من هؤلاء يعتبرون أن ادارة بوش هي "فشل".

المثل الأوضح لذلك الفشل كان العراق.. لقد دخلت الادارة الى هناك بواسطة عدد قليل جدا من الجنود، وحلت الجيش العراقي وفككت البيروقراطية والمصانع المملوكة من الدولة، وأوقفت عشرات الآلاف من العراقيين، وأساءت معاملة بعضهم ولجأت إلى التعذيب، واستعملت قوة عسكرية ساحقة ضد كل التهديدات المتصورة. وماذا كانت النتيجة؟ فوضى عارمة: مجتمع غاضب مجرد من حقوقه ومسلح، حركات جهادية وتفشي العنف المذهبي وفرار 2.5 مليون نسمة غالبيتهم من المهنيين. علاوة على ذلك، فقد تم اجتياح العراق واحتلاله من دون الحصول أولا على دعــم الــدول المجاورة أو اكتساب شرعية دولية. وكانت النتيجة عاصفة قوية في الشؤون الدولية، إخفاقا راح يسوء أكثر فأكثر.


بعد غزو العراق بسنة، وبعد التأكد بأنه لا توجد اسلحة دمار شامل في العراق، حل الرئيس بوش ضيف شرف في حفل اتحاد صحافيي البيت الأبيض. نظر يمينا وشمالا، وتحت المائدة، ونحو السقف، وكأنه يبحث عن شيء مفقود، وقال ممازحا الصحافيين: " انا متأكد ان هناك اسلحة دمار في مكان ما". وهكذا كان عليه ان يبحث عن سبب جديد يبرر به الغزو، وهو ان العراق بطريقة ما ولسبب ما، له صلة بهجوم 11 سبتمبر.

" حسنا، ان هزيمة في العراق ستجرأ العدو وستزود العدو بفرصة اكبر للتدرب والتخطيط لمهاجمتنا... ان احد اكثر الاجزاء صعوبة في عملي هو ربط العراق بالحرب على الارهاب. أنا مؤمن بذلك. وكما اخبرتك، اسامة بن لادن مؤمن بذلك. لكن على الشعب الاميركي ان يفهم بان هزيمة في العراق... ستشجع الارهابيين على اسقاط الحكومات المعتدلة."
مقابلة بوش مع كاتي كوريك من شبكة سي بي اس الاخبارية، 6 سبتمبر 2006.

بوش الذي يبسط الحقائق ليسهل عليه فهمها، يبسط اختلافه في الرأي مع غيره، بتحويله الى اختلاف شخصي. في 13 ابريل 1993 قيل بأن ستة عشر رجلا قاموا بتهريب سيارة مفخخة الى الكويت بنية قتل الرئيس السابق جورج هربرت بوش فيما كان يتحدث بجامعة الكويت. ذلك الزعم قدم الحجة المناسبة لادارة الرئيس الجديد انذاك بيل كلنتون ليطلق هجوما قوامه 23 صاروخ توماهوك على مواقع في بغداد في 26 حزيران من ذلك العام. ولدى تسلم بوش الابن الرئاسة فقد تردد الكثير عن الجانب الشخصي في غزو العراق اضافة للجانب النفعي سعيا وراء التحكم في منابعه النفطية.

" من تظن نفسك؟ احد افراد آل كينيدي؟ أنت من من آل بوش، تصرف كأنك واحد منهم ! "
بوش الاب مخاطبا بوش الابن، فيلم دبليو(2008) أوليفر ستون.

"هذا الفتى ابننا، لن يخذلكم "
جورج بوش الأب في حملة انتخابات عام 2000.

" سحقا لصدام، سوف نقوم بإخراجه"
بوش متحدثا الى ثلاث أعضاء في مجلس الشيوخ، اذار 2002.

" ذلك الرجل حاول في يوم من الايام أن يقتل والدي "
بوش في حفل جمع للتبرعات في تكساس 26 سبتمبر 2002.

يقول أصدقاؤه المقربون ومساعدوه إنه يعرف جيدا بأنه أصبح موضع سخرية. لكنهم يؤكدون أن الرئيس بوش لايزال شديد الاقتناع بأن التاريخ سيرى أن قراراته كانت صائبة، لاسيما فيما يتعلق بالعراق.

" ... انا قلق من انه بعد خمسين سنة من الآن سوف ينظرون الى الوراء ويقولون: كيف حصل ان بوش وجميع الاخرين لم يروا حقيقة ان تلك.. هذه الزمرة من الناس سوف تستخدم النفط للتأثير في اقتصادنا "
مقابلة بوش مع كاتي كوريك شبكة سي بي اس، 6 سبتمبر 2006.

بوش الذي عبر في مقابلته تلك عن اقتناعه بأن الشعب الاميركي سيعي ما يعي هو اليوم لكن بعد نصف قرن، أظهر فهمه العميق للتاريخ حين قام بتزييف سافر لحقيقة ما كان عليه الوضع في حرب فييتنام. في 22 آب 2007 حذر الرئيس من مغبة الانسحاب من العراق بالطريقة التي جرى وفقها الامر في فيتنام. شكل خطابه ذاك الذي ألقاه في كانساس سيتي في ولاية ميزوري أمام قدامى المحاربين الذين شاركوا في الحروب الخارجية تشويها للوقائع التاريخية، ولا سيما أن فيتنام لم تشكل يوما جبهة أساسية في الحرب الباردة، وقرار الانسحاب منها لم يكن له تأثير يذكر في النتيجة النهائية لهذه الحرب التي سماها الرئيس الراحل جون كنيدي "صراع الفجر الكاذب الطويل".


" اهم شيء في هجوم سبتمبر أنه كان بداية قصة باعها بوش للشعب الاميركي. قصة فيها اثارة، وحروب، وحيل، ومفاجآت، وفضائح، وكل شيء، الا شيء واحد، هو الحقيقة... لقد فتح ابواب البيت الابيض على مصراعيها لمجموعة ذكية، وضعت خططا استراتيجية ادخلتنا في مشكلة عالمية لم نر مثيلا لها في تاريخنا حولت الاشاعات الى معلومات، والطموحات الشخصية الى استراتيجيات، وقدمتها الى الشعب الأميركي الذي لم يقدر على ان يفرق بينها. وكانت ثقة بوش بنفسه تجعله تماما مثل الثور في مستودع الخزف. غير ان المستودع عالم، والخزف شعوب. "
فرانك ريتش، كتاب القصة الاعظم الاكثر مبيعا: سقوط الحقيقة من سبتمبر الى كاترينا، 2006.

حين توجه بوش لإلقاء خطابه السنوي عن حالة الاتحاد في مساء الثلاثاء 23 يناير 2007، فقد كان أقل شعبية من أي رئيس آخر منذ الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون عام 1974 عندما وقف امام الكونغرس مثقلا بفضيحة ووترغيت. الاهتمام الذي حظي به ذلك الخطاب لم ينصب على ما تضمنه بقدر ما انصب على طريقة القائه، فقد بدا الرئيس بوش مختلفا عما كان عليه قبل عام مضى حين اتهم الديموقراطيين باتخاذ موقف "انهزامي" إزاء الحرب، الأمر الذي عكس الظروف السياسية الصعبة التي كان يواجهها في واشنطن وهو يدخل آخر سنتين في فترة رئاسته الثانية. وقف بوش ذلك اليوم ليستجدي بعض الديموقراطيين والكثير من الجمهوريين ليتفقوا معه حول خطته الرامية إلى إرسال مزيد من الجنود إلى العراق. أقر بوش قائلا بحسرة: "ليست هذه هي الحرب التي ذهبنا لخوضها في العراق، ولكنها الحرب التي نخوضها الآن"، ودعاهم إلى "منح الخطة فرصة لتحقيق النجاح".

في التاريخ الأمريكي الحديث لم يتحدث بهذه النبرة المنكسرة أمام الكونغرس سوى عدد قليل من الرؤساء، ولكن ذلك هو الواقع السياسي الذي وجد بوش نفسه فيه. وهو بالضبط ما ادى الى حرمانه من أي دور خطابي مهم خلال مؤتمر الحزب الجمهوري السنة اللاحقة، حين ظهر عبر الفيديو فقط بعدما كان مقررا أن يلقي خطابا في الليلة الأولى من المؤتمر. وهو ما اعتبره بعض أصدقاء الرئيس ومساعدوه إهانة لا تغتفر رغم أن نسبة تأييده هي الأدنى بين كل الرؤساء في التاريخ. وهو ما يطرح التساؤل البسيط التالي: هل فهم بوش يا ترى البيئة السياسية المشوشة التي خلقتها سياساته، أو ربما الأسوأ من ذلك لم يفهمها لأنه لا يريد أن يفهمها؟
" سمحنا للأمور بأن تخرج بالكامل عن السيطرة "
السناتور جون ماكين في 23 أكتوبر2008.

على أي حال ففي مقابلته تلك مع صحيفة واشنطن تايمز في الشهر التالي لمؤتمر الحزب، انتقد المرشح الجمهوري السابق للرئاسة إخفاقات إدارة بوش بشكل مباشر وأنب الرئيس على " سوء إدارة الحرب في العراق على مدى سنوات، وتضخم حجم الحكومة وتجاهله رغبات الكونغرس".

من نوفمبر 2003 الى ديسمبر 2008، قام بوش بزيارة العراق لاربع مرات.
الزيارة الاولى كانت سرية امتدت لساعتين ولم يعلن عنها الا بعد مغادرته.

" شكرا لدعوتي معكم للعشاء، كنت فقط ابحث عن وجبة ساخنة في مكان ما "
الرئيس بوش مخاطبا الجنود الاميركيين خلال مشاركته لهم عشاء عيد الشكر في زيارته الاولى للعراق، 27 نوفمبر 2003.

أما الزيارة الاخيرة فلم تكن سرية وانما مفاجأة دون اعلان مسبق وأعلن عنها ساعة وصوله، وذلك لحضور مراسم توقيع الاتفاق الامني بين واشنطن وبغداد وترسيخ ذلك الحدث مقترنا بيوم وداعه ارض العراق. من المؤكد ان بوش رمى الى ان تقترن رئاسته بتسجيل الفيديو الذي يصوره وهو يوقع الاتفاق ويصافح رئيس الوزراء العراقي إلا أن ما حصل كان مفاجئا أكثر من زيارته بحد ذاتها، فقد حصل الرئيس الاميركي على الوجبة الساخنة المثالية التي أتى للبحث عنها في زيارته الاولى.

" كل ما استطيع أن أصرح به هو أن مقاس الحذاء كان عشرة "
الرئيس جورج دبليو بوش، في نهاية زيارة الوداع الأخيرة الى العراق، 15 ديسمبر 2008.

" هل تعلم؟ الشيء الوحيد الذي يهم هو النهاية، انها الجزء الأكثر أهمية في أي قصة.. وهذه النهاية بالذات جيدة جدا، بل إنها مثالية! "
مورت ريني، النافذة السرية(2004) بطولة جوني ديب.

ليست هناك تعليقات: