وضاح الأبرش 27 آب 2008الشروخ داخل الحزب الديمقراطي والتي حاول فرانلكين روزفلت ترقيعها بدأت بالاندماج مع تولي نائبه هاري ترومان للرئاسة.
" يتعرض وجود اليونان اليوم للتهديد بفعل النشاطات الارهابية لعدة آلاف من المسلحين ممن يقودهم الشيوعيون... وفي الوقت الذي تكون فيه الحكومة اليونانية غير مؤهلة للتعامل مع هذا الوضع وجيشها صغير وفقير بالتجهيزات، فهي يجب أن تحصل على المساعدة لتصبح ديموقراطية قادرة على الاعتماد على الذات... "
الرئيس ترومان في خطاب أمام مجلسي النواب والشيوخ، الثاني عشر من آذار 1947
شهد أوائل عام 1947 إعلان ترومان بأن أميركا ستدعم اليونان وتركيا اقتصادياً وعسكرياً لتمنع سقوطهم تحت السيطرة السوفييتة. في الواقع، دعا ترومان حرفياً لدعم " الشعوب الحرة التي تقاوم تسخيرها من قبل الأقليات المسلحة أو من قبل الضغوط الخارجية " وهو ما جعل الموقف الأميركي تجاه اليونان وتركيا معمماً ومطبقاً نظرياً على جميع أنحاء العالم تحت مسمى: مذهب ترومان. وفي ذات العام تم إنشاء برنامج تعافي أوروبا أو خطة مارشال، وهو برنامج أنجزه كبار مسؤولي وزارة الخارجية بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة بناء وخلق مؤسسات الدول الأوروبية الحليفة على أساس متين، و صد الشيوعية عنها.
بعدها بسنتين تم تأسيس منظمة حلف دول شمال الأطلسي أو الناتو، والتي أنشأت نظام من الدفاع الجماعي تتعهد بموجبه الدول الأعضاء بالدفاع المشترك والرد على أي هجوم من قبل طرف خارجي..
هنري والاس نائب الرئيس الأسبق شن هجوماً حاداً على الرئيس ترومان ووصفه بأنه تاجر حروب بسبب برامجه المضادة للسوفييت.
استغل هاري ترومان وجود فريق من مؤيدي الحركة "الدولية" في الحزب الجمهوري، والتي رأى مناصروها بأن على الأمم التعاون كون مصالحهم المشتركة طويلة الأمد لها قيمة أعظم من تلك الحاجات الفردية قصيرة المدى. وبالتعاون مع الفريق (الدولي) من الجمهوريين، نجح ترومان في هزم الانعزاليين في يمين الحزب الديمقراطي ومناصري السوفييت في اليسار لتأسيس برنامج للحرب الباردة بقي مستمراً حتى سقوط الشيوعية عام 1991.
أما مناصرو هنري والاس في أقصى اليسار فقد تم دفعهم خارج الحزب الديمقراطي، بينما اندمج الأعضاء الديموقراطيين الشباب البارزين من المعادين للشيوعية أمثال هيوبرت همفري و رونالد ريغان في تحالف كبير ليشكلوا قاعدة مهمة جديدة في الحزب.
على الصعيد الداخلي لم يحالف ترومان الحظ، في انتخابات 1946 قام الجمهوريون بنسف سياسات ترومان الداخلية واتخذوا شعارهم الانتخابي: " هل اكتفيتم من ترومان؟ " ومن ثم حققوا نصراً ساحقاً على الديموقراطيين ليحصدوا الأغلبية لأول مرة منذ 16 عاماً في كلا مجلسي الكونغرس وحاكمية الولايات.
وبحلول سنة الانتخابات الرئاسية 1948 أراد كثير من قادة الحزب الديموقراطي إغراق ترومان لكنهم لم يفعلوا لسبب بسيط هو الافتقاد لبديل ملائم.
الحزب الديمقراطي.. لحقوق الولايات
عرف البيض بتابعيتهم للحزب الديمقراطي الذي كانت قبضته محكمة على المنطقة التي اعتبرت " الجنوب الصلب " على الرغم من أن الجمهوريون تحكموا بأجزاء من جبال الأبالاشي ودخلوا المنافسة في الولايات الحدودية الجنوبية على نطاق واسع. قبل 1948 اعتقد ديمقراطيو الجنوب بأن حزبهم باحترامه لحقوق الولايات وتقديره للقيم التقليدية الجنوبية، فهو المدافع عن أسلوب الحياة الجنوبية. حذر ديمقراطيو الجنوب ضد الترتيبات العدائية من جانب ليبراليي الشمال والجمهوريين ونشطاء الحقوق المدنية...
إلا أن دمج القوات المسلحة من قبل الرئيس ترومان بموجب الأمر التنفيذي رقم 9981 والذي وفر معاملة وفرص متكافئة للمجندين الأميركيين من أصل أفريقي، وتبني ترومان لمشروع قوي للحقوق المدنية في مؤتمر الحزب عام 1948 قاد باتجاه هوة بين قسمي الحزب الشمالي والجنوبي.
في الواقع، فقد أدى التزايد في دعم القادة الديمقراطيين للحقوق المدنية إلى استياء القاعدة التقليدية للحزب من محافظي الجنوب الديمقراطيين والكاثوليك في المدن الشمالية.
وخلال المؤتمر الوطني للحزب قرر العديد من وفود ديمقراطيي الجنوب الانسلاخ عن الحزب ليشكلوا ما سمي (ديكسيكراتز) أو الحزب الديمقراطي لحقوق الولايات والذي كان حزباً سياسياً عنصرياً محافظ اجتماعياً بقيادة حاكم كارولينا الجنوبية ستروم ثورموند. ترومان قام برد الضربات دافعاً بال ديكسيكراتز وزعيمهم ثورموند خارج الحزب،
ومستغلاً الانقسام الذي ساد ضمن الحزب الجمهوري، نجح هاري ترومان بتحقيق الفوز ليعاد انتخابه في مفاجأة مذهلة.
عام 1951 تم تعديل الدستور بشكل يمنع انتخاب الرئيس لأكثر من فترتين، أو أن ينتخب لفترة ثانية بعد إكماله فترة تتجاوز سنتين من ولاية الرئيس السابق. وهو ما أدى إلى انسحاب ترومان من المنافسة الانتخابية عام 1952 بشكل مبكر وقد وصلت شعبيته إلى أدنى مستوياتها، عقب هجمات الجمهوريين العنيفة التي طالته انطلاقاً من فساد بعض المقربين له، وكذلك النقد العنيف الموجه لسياسته الخارجية ما خص التدخل في الحرب الكورية دون موافقة الكونغرس خصوصاً بعد عزله قائد الجيش الجنرال دوغلاس ماك آرثر.
مؤتمر الحزب رشح في 1952 حاكم ولاية إلينوي السابق أدلاي ستيفنسون الذي لا يتمتع بأي جاذبية شخصية. وعلى الرغم من هزيمته الساحقة فقد أعاد الحزب ترشيحه عام 1956 وكأن كل ذلك كان الهدف منه رؤيته وهو يسقط تحت وطأة الجنرال دوايت أيزنهاور في نصرين انتخابيين متتاليين.
زعيمي الكونغرس رئيس مجلس النواب سام رايبورن وزعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ ليندون جونسون قاما بتجميع أواصر الحزب، لكن ذلك تم على الأغلب بموجب تسوية قاما بإبرامها مع الرئيس أيزنهاور.
وفي 1958 حقق الحزب مكاسب مؤثرة في الانتخابات النصفية ساعده في ذلك بشكل كبير الدعم الذي تأتى عليه من اتحادات العمال.
إلا أنه بصورة عامة، فإن معظم النواب الجنوبيين كانوا ديمقراطيين محافظين يعملون مع المحافظين الجمهوريين. والنتيجة كانت ائتلافاً محافظاً سد المنافذ عملياً أمام جميع التشريعات الداخلية الليبرالية من 1937 وحتى السبعينيات. باستثناء فترة وجيزة بين 1964-1965 ، حين حيد جونسون تأثيرها.
الثقل الموازي للائتلاف المحافظ تمثل في ماسمي فريق الدراسة الديمقراطي، والذي قاد كلفة عملية رفع القيود عن مؤسسات الكونجرس ومرر بالنتيجة الكثير من برنامج كينيدي-جونسون.
انتقال الشعلة: عصر كينيدي
أتى انتخاب جون فيتزجيرالد كينيدي في 1960 ليعيد الحيوية إلى الحزب الديمقراطي: شبابه، نشاطه وذكائه خلب خيال الجماهير. برامج جديدة مثل كتائب السلام كرست مثاليته. وقد سجل انتخابه علامة قدوم عصر العنصر الكاثوليكي إلى ائتلاف الصفقة الجديدة الذي بناه روزفلت.
وعلى الرغم من قصر فترة رئاسته والتي امتدت فقط لألف يوم، حاول كينيدي استرجاع المكاسب التي تحصلت للشيوعيين بعد فشله في غزو خليج الخنازير في كوبا. وبعد أزمتي برلين 1961 وكوبا 1962 تحرك كينيدي لإيقاف التصعيد مع الاتحاد السوفييتي.
ما خص التشريعات الداخلية، فقد عانى كينيدي بفعل الائتلاف المحافظ. لكنه دفع رغم ذلك لدمج عنصري واعتراف بالحقوق المدنية في عهده الذي شهد اضطرابات هائلة بين السود والبيض.
لقي الرئيس جون فيتزجيرالد كينيدي مصرعه في دالاس في نوفمبر عام 1963 ليتبوأ سدة الرئاسة وافد جديد.
الجنوب: جرح الحزب الديمقراطي
ليندون جونسون وريث الصفقة الجديدة قام بكسر أواصر الائتلاف المحافظ في الكونغرس ومرر أعداداً ملفتة من القوانين الليبرالية عرفت بالمجتمع العظيم. كما ونجح في تمرير قوانين رئيسة للحقوق المدنية أفسحت المجال للدمج العنصري في الجنوب، ماعكس صورة الحزب في مسائل الحقوق المدنية والتمييز العنصري.
وحين قام الرئيس جونسون بتوقيع تشريع الحقوق المدنية لعام 1964 علق بالقول: " نحن.. الديمقراطيون خسرنا الجنوب لأجيال..." وهكذا باشر الجمهوريون بزعامة ريشارد نيكسون بوضع استراتيجيتهم في الجنوب حيز التنفيذ، والتي هدفت لمقاومة تعدي الحكومة الفدرالية على الولايات خصوصاً ما خص مسألة الحقوق المدنية للسود. وفي موسم انتخابات 1964 فإن النصر الوحيد الذي حققه المرشح الجمهوري للرئاسة باري غولدووتر خارج معقله السياسي ولايته أريزونا كان في الولايات الواقعة في عمق الجنوب، ومن المعروف بأن غولدووتر قام بالتصويت ضد تشريع الحقوق المدنية.
مدن مؤثرة مثل أتلانتا دالاس شارلوت وهيوستن اتجهت إلى محمية الجنوب، التي جلب إليها التحديث المعامل والتجارة الوطنية، وبالطبع ملايين النازحين من الشمال وفرص أكبر لتعليم أعلى.
في الوقت ذاته فإن اقتصاد التبغ والقطن للمزارعين التقليديين الجنوبيين تلاشى بعيداُ.. باعتبار أن المزارعين السابقين انتقلوا للعمل في المصانع.
بعد أن أصبح الجنوب مزدهراً مثل بقية الأمة، لم يستطيع أن يبقى بقوته المؤثرة بعيداً عن مسألة التمييز العنصري. الدمج وحركة الحقوق المدنية سببت جدل هائل في الجنوب الأبيض، مع هجوم الكثيرين بسبب خرق حقوق الولايات. عندما منع التمييز بقرار محكمة وبتشريع الحقوق المدنية في 1964 و1965، تفانت الكثير من القيادات السياسية في مقاومة الدمج وكانت بزعامة حكام ولايات ديمقراطيين كان أبرزهم جورج والاس حاكم ألاباما. هؤلاء الحكام الداعمين لحقوق ذوي المنابت الشعبية جذبوا ذوي التعليم المتدني والعمال البسطاء من المقترعين الذين يفضلون الحزب الديمقراطي في ما يتعلق بالاقتصاد.. لكنهم معادين لإلغاء التمييز العنصري.
بعد 1965 قبل معظم الجنوبيين الدمج (باستثناء المدارس العامة) . ومع اعتقادهم بأنه تم طعنهم في الخلف من قبل الحزب الديمقراطي، انضم الجنوبيون البيض التقليديون إلى الطبقة الجديدة الوسطى والشماليين الديمقراطيين في التحرك باتجاه الحزب الجمهوري.
بنفس الوقت، فإن المقترعين السود المحررين حديثاً بدأوا بدعم المرشحين الديمقراطيين بنسب وصلت إلى تسعين في المئة.. وكما علق مارتن لوثر كينغ : " الدمج جلب يوماً جديداً في سياسات الجنوب." فقد أقصت الاستراتيجية الجنوبية للحزب الجمهوري إلى حد بعيد المقترعين السود عن الحزب.
سنه 1968 بدأ السناتور الديمقراطي يوجين ماكارثي بتسديد الضربات للرئيس جونسون في الانتخابات التمهيدية، فقد أدى تصعيد جونسون للحرب في فيتنام إلى صراع داخلي في الحزب الديمقراطي.
وعقب اعلان جونسون انسحابه من السباق ترشح نائب الرئيس هيوبرت همفري ليواجه كلا من ماكارثي وروبرت كيندي لكن خارج إطار الانتخابات التمهيدية: ففي الوقت الذي كان كل من كيندي وماكارثي يخوض تلك الانتخابات، فقد كان هفمري يحشد دعم اتحادات العمال وزعماء كبريات المدن.
عقب اغتيال روبرت كيندي في لوس أنجلوس لدى حصاده أصوات كاليفورنيا، اختار الحزب مرشحه للرئاسة هيوبرت همفري على وقع القمع العنيف لقوات الشرطة والحرس الوطني المتظاهرين ضد الحرب في فيتنام في شوارع ومنتزهات شيكاغو.
الحزب الأميركي المستقل
" كنت أقاتل الفاشيين في الوقت الذين كنتم فيه أيها الصبية قطاع الطرق لا تزالون في حفاضاتكم "
المرشح المستقل جورج والاس، حين دعته جماعات الخنافس ( الهيبيز) بالنازي
في انتخابات 1968، خاض حاكم ولاية ألاباما الديمقراطي السابق سباق الرئاسة كمرشح مستقل ممثلاً لحزب ثالث هو الحزب الأميركي المستقل. وقد انتقد والاس مرشحي كلا الحزبين ورأى أنه لا توجد فروق جوهرية بينهما وشكل عامل قلق لدى أنصار كل من الحزبين:
بالنسبة للديمقراطيين فقد خشوا من أن جاذبية والاس لدى العمال متدنيي الأجور كعمال المناجم والبناء وأعضاء اتحاد العمل، من الممكن أن تتسبب لنائب الرئيس هيوبرت همفري بالأذى في ولايات الشمال. بينما خشي نيكسون من أن يسرق والاس الأصوات منه ويسهل فوز المرشح الديمقراطي خصوصاً أن والاس خاض حملته وفق شعارات مماثلة لتلك التي لحملة نيكسون: " القانون والنظام "
وفعلاً فقد فاز ريتشارد نيكسون بصعوبة في انتخابات الرئاسة ليدخل الجمهوريين إلى البيت الأبيض من جديد، لثماني سنوات مقبلة.
الدرجة التي هجر بها ديمقراطيو الجنوب الحزب تجلت في هذه الانتخابات عندما ذهبت الأصوات الانتخابية لكل ولاية كونفدرالية سابقة باتثناء تكساس إما إلى المرشح الجمهوري أو إلى المرشح المستقل الذي كان ديموقراطياً سابقاً.
لكنه كان من الملفت بأن الأصوات التي تحصل عليها المرشح المنهزم هيوبرت همفري أتت بشكل رئيس من الولايات الشمالية مسجلاً بذلك تحولاً عن انتخابات جرت قبل ذلك بعشرين عاماً حين تركزت مكاسب المرشح الجمهوري المغلوب، في تلك الولايات الشمالية نفسها.
فساد إدارة نيكسون الذي بلغ أوجه إبان فضيحة ووترغيت التي دفعت الرئيس نحو الاستقالة في 1974، أفسح المجال أمام المرشح الديمقراطي حاكم ولاية جورجيا الأسبق جيمي كارتر.
كارتر: مرشح الفضيلة الديموقراطي ضد الفساد الجمهوري
عندما انضم كارتر إلى السباق في مرحلة الانتخابات التمهيدية عام 1976 اعتبرت فرص فوزه ضئيلة أمام السياسيين ذائعو الصيت على المستوى الوطني.
وعندما أخبر عائلته بنيته الترشح للرئاسة، سألته والدته:" رئيس على ماذا؟ "
على أي حال فإن فضيحة نيكسون التي كانت لا تزال حية في ذاكرة المقترعين وكذلك قدوم كارتر من خارج دوائر نفوذ والتأثير في واشنطن، كانت أمور شكلت رصيداً انتخابياً جوهرياً بالنسبة له، لذلك فقد اعتمد في حملته لازمة إعادة تنظيم الحكومة وقام بمهاجمة واشنطن في خطاباته التي احتوت مراهم ذات صبغة دينية لشفاء ندوب الأمة، وهو ما كان ضرورياً عقب ووترغيت.
وقد قام كارتر بانتهاج استراتيجية بحدين: في الجنوب، حيث كانت السيطرة مقدرة ضمناً لحاكم ولاية ألاباما جورج والاس، خاض كارتر السباق بصفته ابناً مفضل للحزب في الجنوب لكن على قاعدة الاعتدال. وحالما تثبت كارتر بأن والاس قد استهلكت قوته كمرشح، فقد كان جاهزاً لاكتساح المنطقة.
أما في الشمال، فقد ساهم خطاب كارتر وخلفيته في ريعان شبابه كمدرس ديانة مسيحية ومزارع فستق في اجتذابه للمسيحيين المحافظين والناخبين من أبناء الريف.
وعلى الرغم من فرصته الضئيلة للفوز بأغلبية في معظم الولايات، فقد اتبع كارتر استراتيجية طرح نفسه على أساسها كمرشح يعتمد على بسط النفوذ على الاقليم، وتمثلت في الوصول لمنطقة قبل أن يمد إليها مرشح آخر نفوذه. سافر كارتر لأكثر من خمسين ألف ميل وزار سبع وثلاثين ولاية وألقى أكثر من مئتي خطاب قبل أن يعلن حتى أي مرشح آخر عن نفسه. ومن ثم نجح في أن يثبت بأنه الديمقراطي الوحيد الذي يرتكز بالفعل على استراتيجية وطنية، لينتزع أخيراً الترشيح ومن ثم الفوز بالرئاسة على جيرالد فورد خليفة نيكسون. تمثلت أهم انجازات كارتر في خلق سياسة وطنية للطاقة قلصت استيراد أميركا للنفط بما يقارب النصف وتقوية وتوحيد الوكالات الحكومية ما نتج عنه إدارتين جديدتين: الادارة الأميريكية للطاقة والادارة الأميركية للتعليم. كارتر أعاد بنجاح تنظيم المواصلات..الطيران..السكك الحديدية، التمويل الاتصالات، وصناعات النفط، عزز نظام الأمن الاجتماعي، وقام بسن تشريع قوي لحماية البيئة... لكنه فشل في تحقيق خطة وطنية للصحة أو في اصلاح النظام الضريبي كما وعد في حملته. التضخم أيضاً كان آخذاً في الازدياد.. فشل كارتر أمام ريغان في انتخابات 1980.
الثمانينيات: ديمقراطيو ريغان
الديمقراطيون ممن دعموا الكثير من السياسات المحافظة ساهموا في انتخاب الجمهوري رونالد ريغان. ديمقراطيو ريغان كانوا ديمقراطيين قبل سنوات ريغان وبعدها، لكنهم صوتوا لريغان في 1980 و1984 (وجورج بوش في 1988) موفرين نصرهم الساحق.
المسمى لا يستخدم لوصف الجنوبيين البيض من الديمقراطييين والذين تحولوا إلى جانب الجمهوريين بشكل دائم في الانتخابات الرئاسية. فقد كان ديمقراطيو ريغان على الأغلب من العرق الأبيض في الشمال الشرقي والذين انجذبوا إلى مباديء ريغان الاجتماعية المحافظة بالنسبة لقضايا كالإجهاض وإلى سياسته الخارجية القوية. وربما بسبب خلفيته في اتحاد العمال، فقد صوتت مقاطعة ماكومب في ميشيغان شمال ديترويت بنسبة وصلت إلى 66 % لريغان في 1984، وكانت قد صوتت بنسبة 63 في المئة لكيندي في انتخابات 1960. وقد شهدت تلك السنة الانتخابية 1984 الانهيار النهائي لائتلاف الصفقة الجديدة الذي تكون بفعل تأييد سياسات روزفلت 1933 حين تمكن ريغان من اكتساح 49 ولاية سنة 1984 في المعركة ضد نائب الرئيس السابق سناتور مينيسوتا والتر مونديل الممثل القوي لاتجاه الصفقة الجديدة.
في الواقع، فإن ديمقراطيو ريغان لم يعودوا يروا في الديمقراطيين سباقين في تلبية تطلعات طبقتهم المتوسطة، بدلاً عن ذلك فقد رأوا في الحزب الديمقراطي حزباً يعمل بشكل أساسي لأجل منفعة الآخرين وعلى وجه الخصوص الأميركيين الأفارقة، وجماعات مصالح اليسار السياسي.
إلا أنه وبعد تعيين ريغان لدونالد دوتسون كرئيس المجلس الوطني للعلاقات العمالية وبروز مواقفه سيئة السمعة المؤيدة لرب العمل، بدأت كتلة ديموقراطيو ريغان بالتراخي.
على أي حال، ورداً على الانتصارات الجمهورية الساحقة في 1980 و1984 فقد تم إنشاء مجلس القيادة الديمقراطية في سنة 1985، الذي دفع لتحريك الحزب من اليسار نحو اليمين باتجاه المركز بقصد الحصول مجدداً على بعض التمويل الذي فقد لصالح الجمهوريين نتيجة تضافر المانحين لصالح ريغان، مع ابقاء الحزب الانصار إلى يسار الوسط اضافة للانصار الذين يحملون رؤى معتدلة أومحافظة نسبة لبعض القضايا. ومجدداً..أصبح الديمقراطيون بشكل عام يقبضون على كل مفاصل الحزب بقوة جذب امتدت لتحتوي كل مناوئي الجمهوريين.
مع ذلك فقد هزم حاكم ولاية مساتشوسس مايكل دوكاكيس وبشكل ساحق عام 1988 من قبل نائب الرئيس جورج بوش، ربما لأنه لم يخض السباق ممثلاً توجهات الصفقة الجديدة التي بلورت أطياف الحزب.. وربما بسبب أدائه الذي اعتبر ضعيفاً وأقرب للبلادة، فقد شكلت شخصيته الرواقية الغير مؤثرة خروجاً على التناغم المفترض مع إيقاع حملته العاطفي، المرتكز على التنوع الاثني الذي استمد إلهامه من أصول دوكاكيس اليونانية. وحتى حين حاول الظهور بهيئة المرشح الحيوي الشاب فقد كان مفتقداً للبريق ليبدو أدائه مصطنعاً. ورغم خسارته الانتخابات بفارق هائل عن بوش، لكن يعزا لدوكاكيس قيامه باقتحام جريء للولايات التي كانت تصوت لريغان وجيرالد فورد الجمهوريين: فقد اكتسح أيوا مثلاً.. تلك التي صوتت للجمهوريين في جميع الانتخابات الخمسة التي سبقت، وكذلك رود أيلاند.. هاواي إضافة لولايته مساتشوسس والتي خسرها جميعاً والتر مونديل عام 1984، والتي بقيت مضمونة منذ أن كسبها دوكاكيس في صلب العمود الديمقراطي في كل الانتخابات اللاحقة..
في محصلة الامر، انعدم مبرر استخدام مسمى ديموقراطيو ريغان إلا في حال الإشارة للثمانينات. فهم لم يستمروا في التصويت للجمهوريين في 1992 أو 1996 حيث كان بمقدور بيل كلينتون الاستئثار بهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق