وفعلها أوباما.. وتراجع عن ضرب سوريا





وضاح الأبرش 31 آب 2013  


موافقة الكونغرس الأميركي ملزمة للرئيس الأميركي بما خص خوض الحرب ضد أمة أخرى، أي أن إعلان الحرب ليس من صلاحيات الرئيس وإنما من اختصاص الكونغرس.

لكن وبما أن القوة العسكرية الأميركية لا تستخدم فقط لدى إعلان الحرب، وإنما خدمة للسياسة الأميركية عبر الدفاع عن مصالحها والهجوم على من يهدد هذه المصالح دون أن يأخذ هذا التصنيف مسمى إعلان الحرب، فقد قيد الكونغرس سنة 1973 الرئيس عبر ما سمي " قرار سلطات الحرب " بحيث يشترط حصول الرئيس على " إذن قانوني " من الكونغرس كي يخوض أي نزاع مسلح لأجل التصدي لما من شأنه تهديد (الأمن القومي) للولايات المتحدة.

لكن هذا القانون في الحقيقة إجراء رمزي.. الهدف منه منع الرئيس من أن يرسل القوات الأميركية في عمليات سرية ، ومنعه من أن يتصرف بمفرده (نظرياً) بصورة مطلقة فهو بالحقيقة لا يستوجب موافقة الكونغرس على الإطلاق، بل فقط يشترط على الرئيس " إخطار الكونغرس" بالعمل العسكري في غضون 48 ساعة من اتخاذه القرار وتنفيذه، وبهذه الحال يكون للرئيس الحق بإرسال القوات في نزاع مسلح خارج الأراضي الأميركية لمدة لا تتجاوز " نظريا" " فترة الستين يوماً حيث يمنح تلقائياً فترة ثلاثين يوماً إضافية لسحب هذه القوات.

ولكن ماذا فيما لو تم تجاهل الحصول على هذا الإذن؟ لايحدث شيء!
الرئيس ريغان أخل بهذا القانون في الحرب مع نيكاراغوا وكذلك الرئيس كلينتون حين شارك بالقصف أثناء حرب كوسوفو، ولم يتخذ بشأن أي من الرئيسين أي إجراء عقابي رغم عدم موافقة الكونغرس الرسمية. فكلنا نعرف كيف تصنع السياسات الأميركية بعلاقات فضفاضة جداً تحكمها مساومات لا تنتهي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بكل ما يحكم ذلك من أدوات تأثير لا يغيب عنها الجيش وتلقي الخزانة الأميركية بظلها ثقيلاً عليها بحيث تحكم أدق تفاصيلها وهكذا فإن إخطار الكونغرس من شأنه تخفيف المسؤولية عن كاهل الرئيس لا أكثر، وبنفس الوقت تشريع سلطته المطلقة في القيام بعمل عسكري دون مسمى إعلان الحرب.

ومن هنا.. بإمكان الرئيس أوباما أخذ إذن قانوني من الكونغرس عبر إخطاره بالضربة التي ينويها ضد سوريا، ومن هنا فهو يستطيع القيام بها بكل حرية وحتى دون أن يتحمل المسؤولية بالكامل، خصوصاً أن أوباما أدرج قراره بتوجيه الضربة تحت عنوان حماية (الأمن القومي) الأميركي. 

لكن أوباما وبدلاً عن ذلك.. أعلنها صراحة.. أنه سينتظر الكونغرس ليعود من عطلته لممارسه مهامه وفق الجدول الزمني الروتيني نفسه حتى يبدأ نقاشاً قد يأخذ فيه الكونغرس أسابيع حول ضرورة العمل الذي يراد منه حماية (الأمن القومي الأميركي)، لا بل أكثر من ذلك.. قال أوباما أن مثل هذا العمل ليس محكوماً بالوقت.. فمن الممكن أن يحقق أهدافه حتى لو تم بعد شهر وهكذا.. فإن أوباما أكد ومنذ الآن أنه لن يعود للأمم المتحدة بل للكونغرس بشأن الضربة بحال اتخذ القرار بتنفيذها.


والأهم في الأمر هذه الليلة، أن أوباما أعلنها بصورة واضحة : تراجعاً صريحاً عن الضربة العسكرية ضد سوريا. وهو حين نوط الأمر بالكونغرس، فقد سعى لإنقاذ ماء وجهه نتيجة الحاجة لتمديد الوقت للحصول على دعم ومشاركة أكبر من حلفائه في أوروبا والشرق الأوسط على وجه الخصوص، ومحاولة ممارسة المزيد من التأثير على الأطراف المغايرة. 

وقد تراجع أوباما بعدما مارس لعبة ماهرة جداً قام عبرها بقياس كل مليمتر من ردود الفعل حول فكرة الضربة وكأنها واقعة لا محالة، لقد تم قياس رد الفعل والقدرة الفعلية للحلفاء قبل الأعداء، القوى الأوروبية .. دول الخليج .. الدول المجاورة لسوريا لبنان العراق الأردن..تركيا و إسرائيل.. من جهة .. مع كل ما استتبع ذلك من دفع تكاليف نشر وتفعيل منظومات صاروخية . 

ومن جهة أخرى تم قياس ورصد جميع ردود الفعل وقدرة الاحتمال السياسي والعسكري والاستعداد للمناورة والقبول أو عدم القبول بشتى المقترحات بالنسبة للدول التي تقع في الجانب المغاير.. ولا تنسوا أن تحذيرات كلاً منها كانت تشير وأحياناً تعلن ما تملكه من أوراق في اليد وعلى الأرض في مناطق محددة. 

" من الممكن لأي ضربة أن تتأخر شهراً.. " 

نعم هكذا أعلن أوباما تراجعه أمام بيئة بدت له غير مهيئة لتنفيذ أي شيء في الوقت الحاضر، ربما بانتظار حدوث تغيرات في المعادلات الدولية تفسح المجال للقيام بالعمل العسكري على أرضية مريحة ووفق استراتيجيات طويلة المدى.

ليست هناك تعليقات: